انتهى موسم الجوائز، أُطفئت أضواء "الأوسكار"، وبقيت أنا واقفةً عند حافة السجادة الحمراء، مكلّفة بمهمّة عظيمة: لفّها بعد أن داس عليها الجميع بكل ما لديهم من كعوبٍ عالية وغرورٍ أعلى! لكن فجأةً، في حلمٍ سريالي، وجدت نفسي أجرّ هذا البساط الأحمر، وكأنه شاهد على كل الكوارث التي جرت عليه. فهنا وقع نجم عالمي مثل شجرة صنوبر في عاصفة، وهناك علقت فنانة بفستانها "أبو الطوابق" كأنها في مصيَدة دببة، وفي الزاوية البعيدة، لا يزال رجل الأمن المسكين يحاول إخراج أحد المعجبين الذي قرّر أنه نجم الحدث! لكن لا وقت للاستغراق في الحلم، لأنني لم أكد أُنهي لفّة "الأوسكار" الأخيرة حتى جاءتني الصدمة "حلّوا الحبال، وافردوا السجادة الجديدة، "مهرجان كان" قادم، ومعه سلالمه الأسطورية!".
ليلة السجاد الأحمر، ليلة الفخامة والتألق، لكنّها أيضاً ليلة الرعب والخوف من كارثة غير متوقّعة، فستان يتمزّق، كعب ينكسر، ممثّل يتعثّر، أو حتى نجم يتلقّى سؤالاً غبيّاً من صحافي نسي اسم النجم أمام الكاميرا. هذه هي السجادة الحمراء، حيث لا يكفي أن نكون موهوبين، بل ينبغي أن نكون أيضاً لاعبي سيرك، وساسة، وخبراء في النجاة من الفضائح!
من أنيق إلى مجنون
إذا كنتم مثلي تعتقدون أنّ النجوم يقضون أشهراً في التخطيط لإطلالاتهم، فأنتم على حق، لكن ليس بالطريقة التي تتخيّلونها. فالأمر ليس مجرد اختيار لون الفستان، بل هو معركة بقاء بين النجمة والنسيج، بين الأناقة والانهيار المحتمل.
الخيار الأول: ارتداء فستان ضيّق جدّاً لدرجة الحاجة إلى قسطرة للتنفس، لكنها ستبدو كتحفة فنّية من عصر النهضة.
الخيار الثاني: ارتداء فستان ضخم لدرجة أنها ستحتاج إلى تصريح مرور خاص عند دخول القاعة، وقد تتسبّب في حادث تصادم بين الحاضرين.
الخيار الثالث: ارتداء شيء غير مفهوم على الإطلاق، مثل زيّ يُشبه مصباحاً كهربائياً، أو فستان مصنوع من أدوات المائدة، فقط لتتصدّر العناوين بصرف النظر عن السبب.
هل تتذكرون ليدي غاغا وفستان اللحم؟ بالطبع تذكرونه، وإن مرّ عليه 15 عاماً! لأن لا شيء أكثر إثارة للرعب من فستان يمكن شَيُّه على الفحم في حفلة شواء! وهل تذكرون مادونا مرتدية أذنَي أرنب على رأسها، ما جعلها تبدو كأنها تستعدّ لحفل تنكّري أكثر من حفل توزيع جوائز موسيقية في العام 2009؟
أكيد أنكم لم تنسوا أيضاً عندما لم تكتفِ كاتي بيري بارتداء فستان ذهبي ضخم، بل أضافت إليه جناحَين عملاقَين، ما جعلها أشبه بملاكٍ هبط من السماء، أو بممثّلة في إعلان لأحد مشروبات الطاقة.
أما الرجال، فخياراتهم أسهل. لكنّ بعضهم قرّر مؤخراً أنّ البذّات الرسمية مملّة، فصرنا نرى ملابس تبدو كأنها اختُرعت في غرفة ملابس السيرك. فتحيّةً خاصة لبعض النجوم الذين ارتدوا بذّات مزيّنة بالورود وكأنهم مزهريّة صينيّة من القرن الثامن عشر.
الدَّرَج واختبار الكرامة
إن كنتم تظنّون أن السقوط على السجادة الحمراء مجرد حادث بسيط، فأنتم لم تشاهدوا نجمات ينهرن تحت وطأة فساتينهن أثناء صعود الدَّرَج في "مهرجان كان".
المستوى الأول: تعثُّر بسيط، نجاة سريعة، ونظرة توحي بأنّ "الأمر كان مقصوداً".
المستوى الثاني: سقوط دراماتيكي، تنهيدة مسرحيّة، ومحاولة فاشلة للنهوض من دون تمزيق الفستان.
المستوى الثالث: السقوط الكليّ، حيث تنزلق النجمة على الدَّرَج وكأنها في إعلان عن زيوت السيارات، بينما يركض الحرّاس لمحاولة إنقاذها كما لو أنهم كانوا رجال إطفاء في مهمّة طوارئ.
جينيفر لورنس وحدها حطّمت الأرقام القياسية في هذه الرياضة، حيث سقطت مرَّتَين خلال حفلات "الأوسكار"، لكنها تعاملت مع الأمر بضحكة وعبارة "هذا جزء من شخصيتي الآن!".
تحقيقات اللاشيء
بمجرّد أن ينجو النجم من "معركة" الملابس والدَّرج، يجد نفسه أمام مجموعة من الصحافيين المسلّحين بأسئلة لا معنى لها، مثل:
"كيف تشعر الليلة؟"، وكأنّ أحداً سيقول "في الواقع، أشعر كالبطاطا المهروسة".
"ما سرّ تألّقك؟، الإجابة الحقيقية "فريق من 20 خبير تجميل و4 ساعات أمام المرآة".
"من صمَّم ملابسك؟". على أساس أنّ كلّ الناس يمشون بملابس تحمل بطاقة تعريفيّة في جيوبهم.
والإجابات تتفاوت بين التصريحات العبقريّة مثل "أنا هنا فقط لأحتفل!"، والردود الأكثر فلسفية مثل "ملابسي تعكس رحلتي الروحية في الحياة". بينما نعلم جميعاً أنها مجرّد ملابس استُعيرت لليلةٍ واحدة فقط لا غير.
لحظات عشوائية
لا تكتمل السجادة الحمراء بدون تلك اللحظات غير المتوقَّعة التي تجعلنا نشعر أنّ هذا الحدث أقرب إلى برنامج "تلفزيون الواقع".
شخص قرّر اقتحام الحدث عارياً. حدث ذلك بالفعل في حفل توزيع جوائز "الأوسكار" عام 1974، فبينما كان الممثّل البريطاني ديفيد نيفن يقدّم إحدى الجوائز، اقتحم المسرح رجل عارٍ تماماً، ما أثار دهشة الحضور. بروح الدّعابة، علّق نيفن قائلاً: "أليس من المدهش أن الطريقة الوحيدة التي يمكن لهذا الرجل أن يجعل بها الناس يضحكون هي عن طريق خلع ملابسه؟".
المشي على السجادة
قد نظن أنّ المشي هو أبسط ما يمكن أن يفعله الإنسان. لكن على السجادة الحمراء، يصبح المشي فنّاً مُعقَّداً يتطلب تدريباً يشبه استعدادات رواد الفضاء قبل الصعود إلى القمر. لماذا؟ لأنّ النجمات لا يمشين فقط، بل يسرن وهنّ يوازنّ أجسادهنّ على كعب يشبه أعمدة الكهرباء، محاوِلات تجنُّب السقوط، التعرّق، أو الأسوأ: التعرض لإحراج أبديّ على وسائل التواصل!
وهنا تأتي التقنية السرّية التي تعتمدها النجمات المحترفات: "خطوة.. وقفة.. نظرة جانبية.. نصف ابتسامة.. خطوة أخرى". أيّ خطأ في الحسابات، يعني أنها قد تسقط رأساً على عقب أمام عدسات المصوِّرين، لتُصبح نجمةً في "ميم" ساخر خلال ثوانٍ.
النسيان المفاجئ
لحظة وصولهم إلى الميكروفونات، يتحوّل بعض النجوم إلى كائنات غريبة تعاني من "فقدان الذاكرة اللحظيّ". ممثّل مخضرم حصل على 10 جوائز من قبل، لكنّه فجأة نسي أين هو سبب حضوره. مغنّية قضت عاماً كاملاً في تسجيل ألبومها، لكنّها تجد صعوبة في تذكُّر اسم الأغنية التي رُشِّحت للفوز من أجلها.
وفي بعض الأحيان، يكون التوتّر أقوى من المنطق، فنسمع إجابات مذهلة مثل:
المذيع: من صمّم فستانك الرائع؟
النجمة: ممم... لا أذكُر. (مصمّم الأزياء في خلفيّة المشهد يبتلع دموعه).
المذيع: ماذا يعني لك هذا الترشيح؟
الممثل: إنه حلم أصبح كابوساً… أقصد حقيقة!
المذيع: من أكثر شخص دعمك للوصول إلى هنا؟
النجم: أمي… أو أبي… أو كلاهما؟ (يتفقّد الكاميرا بحثاً عن إشارة نجدة).
السجادة النائمة
بعد صراع بُطُولي مع أمتار السجّادة المتشابِكة، وبعد أن كدت أُلفُّ معها مثل ورق العنب، نظرتُ إلى ما تبقى من آثار الليلة الماضية: بريق متناثر، كعب عالق في الزاوية، وربطة عنق ما زالت تحاول الهروب من حفلة ما بعد الحفل! لكن لا مجال للراحة… لأنّ ما إن أنهيت المهمّة حتى سمعت صوتاً مدوّياً يقول "إفردوا السجّادة على دَرَج "كان" وإن بعد شهرين!
أوه لا، إن كانت السجادة الحمراء "للأوسكار" ملعباً للتزلّج غير المقصود، فـ "مهرجان كان" هو بطولة عالمية لتسلُّق الجبال بالكعب العالي! من سيفوز؟ من سيسقط؟ ومن سيصل إلى القمة دون أن يفقد السيطرة أو "فرْدَة" حذائه؟ أما السجادة الحمراء، فهي تبقى هناك، مدمَّرة تماماً، تئن تحت وطأة آلاف الأقدام التي داسَت عليها، وتتمنى فقط أن يتم غسلها لترتاح وتنام!