الياس دمّر

الذكاء الاصطناعي في السينما: أداة مساعدة أم إفراغ من معناها؟

6 دقائق للقراءة

لطالما كانت السينما الفن الأكثر حساسية تجاه التحوّلات التكنولوجية. فمنذ خروج العمال من مصنع الأخوين لوميير (Auguste et Louis Lumière) على الشاشة للمرة الأولى، وحتى العصر الرقمي الراهن، لم تتوقف الصناعة السينمائية عن إعادة اختراع أدواتها ولغاتها وأساليب إنتاجها. لكن ما نشهده اليوم مع الذكاء الاصطناعي يختلف جذريًا عن كل التحوّلات السابقة، لأنه لا يمس الوسيط التقني فحسب، بل يقترب للمرة الأولى من جوهر العملية الإبداعية نفسها.


لم تعد المسألة تتعلق بأحدث كاميرا أو أسرع برنامج مونتاج أو مؤثرات بصرية أكثر إقناعًا. فنحن اليوم أمام تقنية تدّعي قدرتها على الرسم والكتابة والتخيّل والتصميم، أي على الاقتراب من المناطق التي كانت تُعد، حتى وقت قريب، حكرًا على الإنسان وحده. منذ شهر، بدت لنا المواجهة خلال "مهرجان كان" محصورة بين ثورة أو تهديد (صفحة "كاميرا" في العدد 1869 من "نداء الوطن")، أما اليوم فالأزمة تبدو حقيقية بالفعل!


خيانة سكورسيزي للسينما؟

في هذا السياق، أثارت التصريحات الأخيرة للمخرج الأميركي الكبير Martin Scorsese نقاشًا واسعًا بعد دفاعه عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مراحل تطوير المشاريع السينمائية، ولا سيّما في إعداد التصوّرات البصرية (Storyboards). بالنسبة إلى سكورسيزي، لا تلغي هذه الأدوات دور الفنان، بل تساعده على إيصال أفكاره بصورة أسرع وأكثر وضوحًا. وهو يرى أنّ السينما لطالما تطوّرت من خلال احتضان التكنولوجيا الجديدة، وأنّ رفض الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق يشبه رفض الكاميرات الرقمية أو المؤثرات البصرية الحديثة في مراحل سابقة.

لكن الجدل حول موقف مارتن سكورسيزي لا يقتصر على دعمه للذكاء الاصطناعي فحسب. فبعد الإعلان عن دوره مستشارًا لشركة "Black Forest Labs"، تبيّن لاحقًا أنه شريك فيها منذ العام الماضي، وهو أمر لم يُكشف عنه إلا أخيرًا، بالتزامن مع الترويج لتطبيق "Flux" واستخداماته في إعداد الـ "Storyboards". وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: لماذا أبقى سكورسيزي هذه الشراكة بعيدة عن الأضواء طوال هذه الفترة؟ وهل كان يدرك مسبقًا حجم الاعتراض الذي قد يثيره هذا التقارب داخل الأوساط السينمائية، وخصوصًا لدى الفنيين الذين يرون في الذكاء الاصطناعي تهديدًا مباشرًا لمهنتهم؟

الهجوم الذي تعرض له المخرج الشهير من أعضاء "Art Directors Guild" لم يكن موجهًا ضد التكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل ضد ما اعتبروه تناقضًا مؤلمًا: أن يصبح أحد أبرز المدافعين عن التراث السينمائي طرفًا في مشروع قد يعيد تعريف الإبداع نفسه، وربما يُقصي الإنسان من قلب العملية الفنية التي كرس حياته للدفاع عنها!


مع وضد

المخرج الأسطوري James Cameron، الذي لطالما ارتبط اسمه بالرهان على التكنولوجيا المستقبلية، يبدو مقتنعًا بأنّ الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءًا أساسيًّا من صناعة الأفلام خلال السنوات المقبلة. وكما ساهمت المؤثرات الرقمية في إعادة تعريف حدود الصورة السينمائية، يرى كاميرون أنّ الذكاء الاصطناعي قد يفتح أبوابًا جديدة للإنتاج والتصميم والإبداع.

أما الكاتب والمخرج Paul Schrader، أحد أبرز العقول السينمائية الأميركية المعاصرة، فيذهب أبعد من ذلك. فهو يتوقع أن نشهد مستقبلا أفلامًا كاملة تُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، وربما شخصيات ونجومًا رقميين قادرين على منافسة الممثلين الحقيقيين. إلا أنّ شريدر لا يخفي شعورًا بالقلق حيال هذا الاحتمال، وكأنه يراقب ولادة واقع جديد لا يمكن إيقافه حتى لو كانت نتائجه غير مضمونة.

على الضفة المقابلة تمامًا، يقف المخرج المكسيكي Guillermo del Toro، أحد أكثر السينمائيين دفاعًا عن البعد الإنساني في الفن. إذ خلال حضوره الدورة الأخيرة من "مهرجان كان السينمائي الدولي"، جدّد موقفه الحاد من الذكاء الاصطناعي التوليدي، مؤكدًا أنه "يفضّل الموت على استخدامه" في أفلامه، في تصريح أثار صدى واسعًا داخل أروقة المهرجان. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الفن في اختصار الوقت أو خفض الكلفة، بل في مقدار ما يخاطر به الفنان من ذاته وهو يصنع عمله. ويرى ديل تورو أنّ الذكاء الاصطناعي قادر، في أفضل الأحوال، على إنتاج صُور مبهرة، لكنه عاجز عن إنتاج فن حقيقي يولد من الألم والذاكرة والخسارة والتجربة الإنسانية العميقة. لذلك يرفض النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلا للإبداع، معتبرًا أنّ الفن لا يولد من الخوارزميات، بل من الروح البشرية التي لا يمكن استنساخها أو محاكاتها بالكامل.


صناعة نظرة

يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج آلاف المَشاهد خلال دقائق، لكنه لا يعرف لماذا ينبغي اختيار مشهد واحد دون غيره. ويمكنه تقليد أساليب كبار المخرجين، لكنه لا يستطيع أن يعيش التجارب الإنسانية التي دفعتهم إلى ابتكار تلك الأساليب أصلا.

إنّ أكثر ما يثير القلق في موجة الذكاء الاصطناعي الحالية ليس قدرته التقنية، بل الفلسفة الاقتصادية التي تقف خلفه. فالشركات التي تستثمر مليارات الدولارات في هذه التكنولوجيا لا تفعل ذلك حبًّا بالفن أو رغبة في تطوير الثقافة الإنسانية، بل سعيًا إلى خفض الكلفة وتعظيم الأرباح. وفي مثل هذه المعادلة، يصبح الفنان في كثير من الأحيان مجرّد كلفة إضافية يمكن الاستغناء عنها.

لهذا السبب، تعالت أصوات كثيرة داخل الأوساط الفنية اعتراضًا على الحماسة المتزايدة تجاه الذكاء الاصطناعي. فالفنانون والمصمِّمون السينمائيون يرون أنّ هذه الأنظمة لم تتعلم من الفراغ، بل بُنيت على ملايين الصُّور والرسومات والأعمال التي أنجزها مبدعون حقيقيون على مدى عقود.

قد لا يكون الذكاء الاصطناعي عدوًّا للسينما بالمعنى المباشر، وربما يفتح بالفعل أبوابًا جديدة أمام المخرجين المستقلين وصانعي الأفلام الشباب، تمامًا كما فعلت الكاميرات الرقمية في السابق، لكنّ الخطر يبدأ عندما تتحوّل الأداة إلى مرجعية، وعندما يصبح الخيال البشري تابعًا للخوارزمية بدل أن تكون الخوارزمية في خدمته.

ثمّة خطر آخر لا يقل أهمية: الأثر البيئي. فخلف الواجهات البرّاقة للذكاء الاصطناعي تقف مراكز بيانات ضخمة تضم آلاف الحواسيب والخوادم العملاقة، وهذه "المزارع الرقمية" تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة وأنظمة تبريد معقّدة للحفاظ على عملها المتواصل. ومع ازدياد الطلب العالمي على خدمات الذكاء الاصطناعي، يتزايد أيضا استهلاك الكهرباء والمياه والموارد الطبيعية. ومن هذه الزاوية، يبدو الذكاء الاصطناعي أشبه بمنظومة تستهلك نوعَين من الموارد في الوقت نفسه: موارد الأرض وموارد الخيال البشري. فهو يستنزف الطاقة اللازمة لتشغيله، وفي الوقت ذاته يهدّد بتحويل العملية الإبداعية إلى سلسلة من الأوامر والخوارزميات الجاهزة.

ختامًا، لا يتعلّق مستقبل السينما بقدرة الآلة على إنتاج الصُّور، بل بقدرة الإنسان على الحفاظ على دوره بوصفه الحالم الأول داخل الفن الذي اخترعه. فالسينما، قبل أن تكون صناعة أو تكنولوجيا، كانت دائمًا محاولة إنسانية لفهم العالم. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقليد الصورة والصوت والأسلوب، فإنه لا يزال عاجزًا عن امتلاك التجربة الإنسانية التي صنعت السينما منذ بدايتها.