مدهشة تلك الدهشة التي يُصاب بها البعض ويعبّر عنها، كلّما قام امرؤ بعمله كما ينبغي أن يفعل، أي «كما يقول الكتاب».
فإذا حضر السبّاك (السنكري) في الموعد الذي حدّده من أول مرّة وعالج عطل صنبور المياه في منزل، اندهشنا.
وإذا تقاضى الطبيب بدلاً مالياً عادلاً ومنطقيّاً عن معاينته مريضاً، اندهشنا.
وإذا بلغت مياه الشفة صنبور المنزل، وأكملت مسارها بالسلامة إلى الخزّان على السطح، حتى لو كنّا في فصل الشتاء والأوتوسترادات عائمة، اندهشنا أيضاً.
وإذا وفّق القَدَر قناة تلفزيونيّة بمذيع تخرّج من جامعة بعد مدرسة، وخضع بعد نيل «الماسترز» لـ 13 دورة تدريبيّة في اللّغة والأداء، ووَجَدَتْه يعرف أنّ الكلمة التي تلي حرف الجرّ مجرورة وأنّ علامة الجرّ كسرة، صُعق رئيس التحرير من الدهشة.
وإذا وجد قسم الأخبار في إذاعة، بعد عناء، خرّيجاً من إحدى كليّات الإعلام ليوظّفه، يجيد صوغ خبر، عُقدت حلقات الدَّبكة ونُحرت الخراف على باب الإذاعة دهشةً وسروراً.
وإذا دوّن كاتب، أو شاعر، أو روائي، أو إعلامي، عبارة على صفحته في «فايسبوك» من دون أن يضيف ألفاً في نهاية كلمة «مساءً»، نكون أيضاً في حال دهشة ما بعدها دهشة.
وإذا أجاد ممثّل أداء دوره في مسلسل أو فيلم، حقّ له «جائزة الدهشة» من «الجمهور الحبيب».
وَقِس على ذلك وَزِد، من حالات دهشة غير مبرّرة نعيشها أمام أمور عديدة نواجهها يوميّاً، من المفترض أن تكون أموراً عادية وطبيعيّة.
ما سبق لا يعني أنه ليس علينا الثناء والإشادة بالعمل الجيّد وبصاحبه، في أي قطاع كان، لكن المهمّ ألا ينسينا ذلك، أنّ إتمام ما يُكلَّف به المرء، بحرَفيّة ونجاح هو الأصل، وسوى ذلك هو الاستثناء.
فالتزام السبّاك بمواعيده أمر طبيعي، وتوفُّر الأخلاق المهنيّة لدى الطبيب أساس، وإجادة المذيع اللغة العربيّة من شروط توظيفه، وحسن صياغة الخبر لدى المحرر أساس للتقدُّم إلى الوظيفة، وتقمّص الممثل الشخصية التي يؤدّيها على الشاشة أو المسرح بدهيٌّ في مجال عمله...
أما الدهشة المبالغ بها أحياناً، أمام أمور لا تستحقّها، فغير مفهومة في غالب الأحيان. هل نحن تغيّرنا أم المفاهيم تغيّرت أم هي واحدة من انعكاسات وسائل التواصل والرغبة في «ركوب الترند؟».
قيل قديماً إنّ «الشغل النضيف بدو وقت»، أما في زمننا فقد يكون الأنسب تعديل المقولة السابقة لتصبح «الشغل النضيف بدو سوشل ميديا».