64336

الإصابات

531

الوفيات

29625

المتعافون

توماس رايت

الاضطرابات السياسية الكبرى مستبعدة في أميركا لكنها محتملة

6 تشرين الأول 2020

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

حين سأل أحد المراسلين دونالد ترامب عن قبوله بنقل السلطة سلمياً، لم يلتزم الرئيس الأميركي بفعل ذلك فقال: "سنرى ما يحدث". تؤكد تعليقاته الأخيرة على أسوأ مخاوف الديموقراطيين والجمهوريين المعارضين له، إذ يحذّر هؤلاء منذ أشهر من احتمال أن يتخذ ترامب خطوات غير قانونية للتمسك بالسلطة.

يظن المحللون المؤيدون لترامب أن الديموقراطيين ومنتقدي الرئيس الآخرين يثيرون هذه المخاوف لمجرّد أنهم يريدون تنظيم انقلاب خاص بهم. يحذر المسؤول السابق في إدارة ترامب، مايكل أنطون، من إقدام الديموقراطيين على تهيئة الظروف "لإسقاط الرئيس ترامب من السلطة بطرق غير شرعية". يهدف هذا التكتيك برأيه إلى إقناع الرأي العام بأن ترامب سيحاول سرقة الانتخابات كي يحتجّ الناس ضده بقوة في حال حقّق الفوز. يتوقع أنطون أن ينظم المعترضون لاحقاً "ثورة ملونة" بالطريقة التي تدير فيها الدولة العميقة الأميركية البلدان الأخرى إذا كانت لا تحبذ قيادتها، وهذا ما يحصل راهناً في بيلاروسيا. بعبارة أخرى قد يسقط أي زعيم، حتى لو كان مُنتخباً، عبر إثارة الاضطرابات واعتبار هذا التحرك "ديموقراطياً". يوصي أنطون ترامب بالاستعداد منذ الآن لتحديد الجهات التي ستحافظ على ولائها له بعد الانتخابات كي يتمكن من فرض سيطرته.

انتشر تحذير أنطون من احتمال اندلاع ثورة ملوّنة كالنار في الهشيم وسط معسكر اليمين المؤيد للرئيس ترامب. لكن يرتكز تحليله على نظرة مغلوطة لهذا المفهوم. استناداً إلى تاريخ الثورات الملوّنة التي شهدها العالم حتى الآن، هل أصبحت الظروف مؤاتية اليوم كي تندلع ثورة مماثلة في الولايات المتحدة؟

أدت الثورات الملوّنة السابقة إلى اضطراب الحكام المستبدين، لا سيما في روسيا والصين، فقد ظن القادة هناك أن الغرب مسؤول عن تنظيم هذه التحركات. لكن تشتق الانتفاضات فعلياً من داخل الدول، مع أن المنظمات الغربية غير الحكومية أدت دوراً داعماً لها مع مرور الوقت عبر تسليط الضوء على الممارسات غير الديموقراطية والمشاركة في تنظيم الطلاب. يظن ألكسندر كولي، مدير معهد "هاريمان" في جامعة كولومبيا، أن الحكومة الأميركية، على عكس الأفكار الشائعة، بقيت منفصلة نسبياً عن تلك الأحداث وتبنّت موقفاً غامضاً من الاحتجاجات في بعض الحالات. في جورجيا مثلاً، لم تسارع الولايات المتحدة إلى دعم ميخائيل ساكاشفيلي بدل إدوارد شيفرنادزه. لكن في قيرغيزستان، شعرت واشنطن بالقلق من تداعيات الأحداث بسبب وجود قاعدة عسكرية أميركية هناك.





بحلول العام 2005، بدأت موسكو وبكين تغيّران معنى "الثورة الملوّنة"، فتحوّلت من احتجاجات داخلية ضد تزوير الانتخابات إلى محاولات خارجية لتغيير النظام بالقوة. خلال السنوات العشر اللاحقة، استُعملت عبارة "الثورة الملوّنة" لوصف عدد كبير من الاحتجاجات الحاشدة ضد الأنظمة الاستبدادية: ثورة الأرز في لبنان في العام 2005، والحركة الخضراء في إيران في العام 2009، والربيع العربي بين 2010 و2012، وثورة الثلج في روسيا بين 2011 و2012، واحتجاجات أخرى تابعة للثورة البرتقالية في أوكرانيا بين 2013 و2014. كانت ثورة الثلج تهدف إلى منع فلاديمير بوتين من العودة إلى منصب الرئاسة، لذا زادت مخاوف الرئيس الروسي من الثورات الملوّنة عموماً.

استخلص المحتجون (طلاب، منظمات غير حكومية، معارضة سياسية) الدروس من تجارب الآخرين في مختلف البلدان، لكن اكتسب الحكام المستبدون الخبرة في هذا المجال أيضاً. على مر السنين، طوّر القادة تدابير مضادة لتلك التحركات فمنعوا إعطاء التأشيرات إلى طلاب يقودون الاحتجاجات من الخارج، وعيّنوا مراقبين موالين للنظام للإشراف على الانتخابات، وحظروا المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن الديموقراطية، وزوّروا الانتخابات عبر فرض تدابير فورية مثل تنحية المرشّحين قبل يوم الانتخابات.

الولايات المتحدة ليست دولة استبدادية، لكن زاد خوف ترامب الهوسي من الثورات. يظن كولي أن المخاوف المتزايدة من الاضطرابات تشتق من الفكر الروسي: "الخوف من الاحتجاجات الشعبية، تظاهرات غير عفوية لا يحرّكها شعور صادق بالظلم، ناشطون يتلقون المال دوماً مقابل تحركاتهم، وجود أجندة خبيثة دائمة وراء أي احتجاج... هذه الأفكار كلها تشتق من عقلية الكرملين". اعتاد بوتين على استعمال تكتيك يقضي باتهام الخصوم بما هو مُتّهم به، أي سرقة الانتخابات في هذه الحالة، لزيادة تعقيد الوضع وتأجيج الاضطرابات.

لكن بعيداً عن هذا الهوس، هل باتت الظروف مؤاتية لإطلاق ثورة ملوّنة حقيقية في الولايات المتحدة؟ الجواب سلبي على جميع المستويات، باســـتثناء سيناريو متطـــرف واحد ساهم ترامب في الترويج له على نحو مفاجئ.

أثبتت الانتخابات في العام 2016 أن التدخل الخارجي، حتى لو وصل إلى حد التواطؤ مع قوة أجنبية، لن يمنع تنصيب الفائز ولن يُسقِط الرئيس خلال عهده. قد يُضعف هذا العامل شرعية الرئيس وثقة البلد في العملية الديموقراطية، لكنه لن يطلق ثورة ملوّنة. كذلك، أثبت السباق الانتخابي في العام 2000 أن الانتخابات المتنازع عليها يمكن حلّها عن طريق المحاكم. قد تكون الاضطرابات أعلى مستوى اليوم، لكن من المستبعد أن يحاول معظم ناخبي جو بايدن الانقلاب على قرار المحكمة العليا عبر إطلاق تحرك مباشر، حتى لو استلم مرشّح ترامب في المحكمة هذه القضية. وإذا رفض بايدن التنازل (لا مؤشرات على موقف مماثل، مع أن البعض في الحزب الديموقراطي يتكلم عن الموضوع)، لن يمنع قراره إعادة تنصيب ترامب عند الإعلان عن فوزه في الانتخابات. لكن إذا رفض الرئيس مغادرة البيت الأبيض رغم خسارته، سيأخذ النظام القانوني والسياسي مجراه وستُنقَل السلطة إلى بايدن ولو بعد عملية انتقالية مريعة.

حصلت الثورات الملوّنة الأصلية حين انتشرت معالم التزوير الانتخابي بكل وضوح على نطاق واسع وغضب المحتجون نتيجة تجريدهم من حقوقهم الديموقراطية. كانت التظاهرات موجّهة ضد الأنظمة غير الشرعية التي تحمل تاريخاً حافلاً بتزوير الانتخابات والفساد المستفحل وقمع المعارضين السياسيين. يمكن اعتبار ترامب أكثر رئيس غير ديموقراطي في تاريخ الولايات المتحدة، لكن لا تنطبق معايير الأنظمة التي اجتاحتها ثورات ملوّنة على إدارته حتى الآن. ولا تزال الولايات المتحدة تستفيد من عملية انتخابية ونظام قانوني.

لكن قد يُمهّد سيناريو متطرف آخر لاندلاع ثورة ملونة في الولايات المتحدة. إذا حاول ترامب فعلاً منع احتساب أعداد كبيرة من بطاقات الاقتراع بالبريد عبر مصادرتها، قد يسيء إلى العملية الانتخابية بطريقة لا رجعة عنها ويمنع المحاكم من إصدار الأحكام بشأنها. في النهاية ما الذي تستطيع المحاكم فعله إذا تُلِفت بطاقات الاقتراع أو تم العبث بها (عبر فتح الصناديق مثلاً)؟ وفق هذا السيناريو، سيعلن ترامب عن فوزه عشية الانتخابات إذا كان متفوقاً في التصويت المباشر في ذلك اليوم، وقد يأمر المدعي العام بيل بار أو تشاد وولف (الرجل الذي يدير وزارة الأمن الداخلي بحسب ادعاءات ترامب) بوقف احتساب الأصوات في اليوم التالي. ثم من المتوقع أن يضغط الرئيس على المجالس التشريعية في الولايات الجمهورية للمصادقة على النتيجة التي تصبّ في مصلحته.





يقول دانيال نيكسون، عالِم سياسي في جامعة "جورج تاون"، إن مراقبين مستقلين للانتخابات من "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" لعبوا دوراً حاسماً في إثبات التزوير الحاصل تزامناً مع الاضطرابات الناشئة بعد الحقبة الشيوعية. يبقى دور المراقبين الخارجيين محدوداً في الانتخابات الأميركية لأن عددهم صغير ولا يلتفت الكثيرون إليهم. لكن لا يسيطر ترامب على مراكز الاقتراع. قد لا يتنبه الناس إلى عمليات الاحتيال في دوائر انتخابية معينة لفترة، لكنّ التزوير الشامل عبر مصادرة بطاقات الاقتراع بالبريد سيحصل أمام أنظار الرأي العام وسيشعر عدد كبير من الأميركيين، ربما الملايين منهم، بضرورة النزول إلى الشارع حينها.

سيطالب المحتجون باحتساب جميع الأصوات، كما فعل المتظاهرون في ثورات ملوّنة سابقة، لكن قد لا يكون هذا المطلب ممكناً في حال مصادرة بطاقات الاقتراع أو العبث بها. في معظم الحالات بعد الحقبة الشيوعية، يقول نيكسون إن آليات معينة كانت قائمة لتكرار التصويت لكن لا يسمح القانون الأميركي بذلك. إذا تحقق أسوأ سيناريو هذه المرة إذاً وتدخّل ترامب مباشرةً في عملية احتساب الأصوات، من المتوقع أن تُركّز الاحتجاجات حينها على المجالس التشريعية، وحكّام الولايات المكلّفين بالمصادقة على النتائج قبل اكتمال احتساب الأصوات، وعلى المحكمة العليا التي كُلّفت بالبَت في هذا الموضوع.

سيكون تجنّب الثورات الملوّنة أو الاضطرابات السياسية الكبرى بسيطاً، لكن يجب ألا يتدخل ترامب في احتساب الأصوات بطريقة غير قانونية. وإذا أصدر أمراً مماثلاً، يجب ألا ينفذ المسؤولون في أوساطه ذلك القرار. وإذا فعلوا، يُفترض أن يعارضه الجمهوريون في الكونغرس ويجب أن تتدخل المحاكم سريعاً لوقفه.

منعاً لرواج نظرية أنطون وسط الجمهوريين، يجب أن يتوخى الديموقراطيون الحذر فلا ينجرّوا إلى خطاب مؤيدي ترامب ويثبتوا أنهم يحاولون تجريد الرئيس من شرعيته. ويجب أن يتخلوا عن الفكرة القائلة إنه لا يستطيع تحقيق الفوز إلا عبر الخداع. أما المواطنون، فيستطيعون التصويت في مرحلة مبكرة ومن الأفضل أن يشاركوا شخصياً.

يجب أن تكون الانتخابات الأميركية فوق الشبهات دوماً، لكنّ الواقع السياسي اليوم يجعل هذا الهدف مستبعداً. يفصل خط رفيع بين انتشار الفوضى بعد الانتخابات واندلاع ثورة ملوّنة. في نهاية المطاف، وحده ترامب سيتخذ القرار بتجاوز ذلك الخط أو منع تجاوزه.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.