خلال مقابلة على شاشة قناة المنار في 9 آذار 2025، أكّد الشيخ نعيم قاسم على ثوابت "حزب اللّه" قائلاً: "إن مقاومتنا مُستمرّة، وهذا يعني أنها مُستمرّة في الميدان". كما أيّد حصرية السلاح بيد قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني ورفض منطق الميليشيات، لكنه تابع قائلاً: "بالتالي، نحن لا علاقة لنا بهذا الأمر، فنحن مقاومة نعتبر إسرائيل خطراً على لبنان، ومن حقّ المقاومة أن تستمرّ لحماية لبنان".
إنه تحليل رائع يربط بين الفلسفة اللغوية لِلودفيغ فتغنشتاين والسياقات السياسية واللغوية لقادة "حزب اللّه". فاستعمال فتغنشتاين مفهوم "الألعاب اللغوية" يوضح كيف يمكن للكلمات أن تحمل معاني مختلفة تماماً بناءً على استخدامها في سياقات مُعيّنة، ما يجعل اللغة أداة ديناميكية بدلاً من كيان ثابت. بمعنى آخر، الكلمة التي لا تخضع للاستخدام نفسه لا تملك المعنى نفسه، مع الإشارة إلى أن لكل حقل لعبة لغوية خاصة به. في هذا السياق، يمكن القول إن الخطابات السياسية تعتمد بشكل كبير على إعادة تشكيل المعاني وفقاً لأهدافها، بحيث تصبح بعض المصطلحات مثل "المقاومة" أو "السيادة" أو "العدالة"، أو "جنوب الليطاني"، مفاهيم مُتحرّكة تخضع لظروف الواقع والسياقات التي تُستخدم فيها.
هنا نصل إلى إشكالية التواصل مع "حزب اللّه" الذي لا يعتبر اللغة مُجرّد أداة نقل للمعنى، بل أداة لإعادة تشكيل الواقع وتعزيزه وفقاً لإطار أيديولوجي ديني. حينها يُصبح من المستحيل أن يكون المعنى الناتج عن تلك اللغة مُحايداً، بل سيكون موجّهاً لخدمة هذه الأيديولوجيا.
لذلك، عندما ندخل في حوار أو جدل سياسي مع "حزب اللّه"، فالسؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط "ما الذي يُقال؟" ولكن "ما هي القواعد اللغوية التي تُحدّد هذا الخطاب؟". هل المتحاورون يستخدمون الكلمات نفسها لكن بمعانٍ مختلفة؟ هل هناك أرضية لغوية مشتركة للحوار، أم أن كل طرف يشارك في "لعبة لغوية" مختلفة تماماً؟ الأمر الذي يقودنا إلى النتيجة التالية: إذا كانت اللغة تُشكّل الواقع، فحينها لا يوجد واقع مشترك، بل يختلف تبعاً لاستخدام اللغة. وبالتالي، قد يكون الاختلاف مع "حزب اللّه" ليس فقط في المواقف، بل في بنية التفكير نفسها التي تُنتِج هذه المواقف.
ولا بدّ من التذكير بأن "حزب اللّه" عوّدنا على نمط مُتكرّر من البراغماتية السياسية سمحت له بإعادة تأطير مواقفه وفقاً للظروف، دون التقيّد بموقف نهائي أو ثابت. هذه المرونة تمنحه مساحة واسعة للمناورة، لأنه في الوقت نفسه لا يتخلّى عن الثوابت التي تمسّ بمصالحه الاستراتيجية. وهذا ما شهدناه مؤخراً بعد موافقته على وقف إطلاق النار.
ففنّ النقاش لا يقتصر فقط على امتلاك الحجج، بل يتطلّب أيضاً القدرة على استخدام اللغة كأداة للتحكّم بالسردية. وهنا تكمن الخطورة، لأن من يجيد اللعب بالكلمات يمكنه أن يخلق واقعاً بديلاً، حيث تُصبح المغالطات المنطقية جزءاً لا يتجزأ من بناء خطابه السياسي المُوجّه. إنه جوهر "التلاعب بالمعلومات"، حيث يتمّ استغلال موارد اللغة اللامحدودة لصياغة رؤية انتقائية للواقع تخدم أجندة معيّنة، بدلاً من تقديم صورة موضوعية. لا بل يتمّ طمس الحدّ بين توصيف الواقع وفرض رؤية مُسبقة، بحيث تُقدّم الأخيرة على أنها "الحقيقة" المُطلقة.
هذا النهج يذكّرنا بالفعل بآليات التضليل خلال الحرب الباردة، حين استخدم الاتحاد السوفياتي وسائل الإعلام ليس فقط لنقل المعلومات، بل لإعادة تشكيل قناعات الجماهير وفق مصالحه. وكما قال إيرفينغ جانيس، "المغالطات لا تُستخدم فقط لإقناع الآخرين، بل لخلق انطباع زائف لدى المجموعة بأنها على حق، مهما كانت الأدلة مخالفة لذلك". أخيراً وبناءً على ما سبق يبدو أنه من المستحيل التوصّل إلى أي اتفاق مع "حزب اللّه".