كوليت مرشليان

متحدّثاً عن الله والطبيعة والحب

جرمانوس جرمانوس ينتظر نجمة تقول ما لم يقله الشعر بعد

7 دقائق للقراءة

قصائده طالعة من جماليّات خفيّة قد تعصى على آخرين، جماليّات في الطبيعة، من حوله أو من الروح. هو ابن قرية شماليّة صغيرة وبعيدة، لكنّ طبيعة ذاك المكان تفتّحت في شعره مع ناسها وتفاصيلها لتصير مملكة تعجّ بشخصيات تمرّ في قصائده كالنّسمات، كما تعجّ بأمكنته الحقيقية أو المتخيّلة، وبعناصر الطبيعة التي يعطيها من حسّه فتشمّ رائحتها وتسمع أغنياتها في صُوَر شعريّة باهرة تلتمع كالشمس ونقيّة كالثّلج فوق مملكته. إنه الشّاعر جرمانوس جرمانوس الذي جمع قصائده حتى الآن في تسعة دواوين تفيض بالشعر المحكي تماماً كما يصله من الخارج أو من القلب: «حطّاب الضباب»، «خيّاط الميّ»، «الريح إبرة والشتي خيطان»، «بسهر أنا ويّاك لطلوع الحمام»، «نوّست تحت القلب ونطرتِك»... وغيرها من الكتب التي أهداها للشعر المحكي منذ تفتُّحه على الكلمة.



في واحدٍ من تصريحاته السابقة قال الشاعر جرمانوس جرمانوس إنّ والده أخذه إلى الشعر وخلّصه من الشرّ والخطيئة. فسألناه في مستهلّ اللقاء مع «نداء الوطن» إلى أيّ مدى يرى أنّ الشعر مصفاة الروح؟


أجاب إنه مصفاة لكلّ شيء في الحياة رغم كل الآلام التي فيه، وهو ليس متراساً ضد البشاعة فحسب، بل استرخاء للروح. وأضاف: «الحزن والفقر يؤدّيان إلى منبع أكيد للشعر، أنا تربّيت في منزل متواضع وكان والدي يحبّ الشعر. لم يكن شاعراً عملاقاً ولكن كان يمتلك علاقة مع القصيدة نابعة من روحه. أبي كان يضيع بين قصيدة له ورغيف خبز، أو بين قصائده وأولاده. وكان عندما يعدّ كم ولد لديه، يعدّ القصائد معنا. كبرت في هذا الجوّ وكان بيني وبين أهلي مسافة.


هذه المسافة بالذات هي أجمل من كلّ القصائد وأطيبها. وعندما نكبر نصير نقول: يا ربّ أعطني شيئاً بعد من هذه المسافة، دعسة منها، دعني ألتقي بدعسة لأمي من تلك الأيام، دعني ألتقي بسعلة أبي وهو يدخّن سيجارته... هذا الحنين، أو نأتي إلى هذه الحياة معه ويلبسنا، أو لا يأتي».



قمح وزوان


وبما أنّ قصائد الوالد كانت مربوطة بالزّجل، كان السؤال حوله: إن كان يظنّ أنّ الزجل خدم الشعر المحكي أم أنه أوقعه في مأزق «الشعبي»، أي، لو تخيّلنا الشعر المحكي من دون خلفيّة الزجل، هل كان ليختلف؟ فكان جواب الشاعر جرمانوس قاطعاً في هذا الموضوع: «لو لم يكن هناك الزجل، لما وُجد الشعر المحكي. المحكي ساقية والزجل هو النبع، وجمالية الزجل أنّ لديه مادة لا يملكها أحد وفرضت إيقاعاً على الجميع. أستطيع القول أيضاً إنّ الزجل قليل القمح وكثير الزوان، ولكن مرّت أسماء لامعة في المنبر الزّجلي. الزجل هو أب المحكيّة، فهل يخون أحد والده؟».


وبعيداً من مسألة الزجل، طرحت سؤالاً مفاده أنّي شخصياً وجدت في شعره لغة مغايرة للقصيدة المحكيّة حيث الصور الشعريّة متفلّتة، مركّبة، فانتازية، حديثة وسوريالية أحياناً.


فكان جوابه أنه لا يتقصّد أيّ شيء من الذي قلته وبأنه حين يذهب إلى القصيدة لا يفعل ذلك بالقوّة بل «كلّ حرف وكل سطر زغير إذا قدرت أعملو محبسة وإركع فيه بركع». ويضيف «لا علاقة لي بمتاهات اللّغة وحين أكتب لا أفكّر بما أكتبه بل هو حالة تصيبني.


وإذا قرأت قصيدة لي بعد حين، أقول في نفسي: أنا كتبتها؟ كيف ذلك؟ أحياناً تتعرّض القصائد للسرقة ولكنّني أتعرف إليها فوراً، فهل هناك من لا يعرف أولاده؟ وهل من لا يعرف خياله أو لون عينيه؟ باختصار قصيدتي تعرفني، ومع كلّ قصيدة تطلع وردة تجلس بقربي فوق مخدّتي».



دكتورة بتردّ الروح


ولدى سؤالنا له عن ظاهرة الشاعرات بالمحكيّة وعددهن يتزايد، يقول: «في شاعرات معلّقين تيابن ع الشِعر، وإيديهن سلال الوقت وسلال القوافي، وشاعرات نَسَجو من خيطان قصايد النثر كنزات شعر كتير، للقمر عنّا وغير عنّا، وثقافتن إضافة المزهريّة للزهر والعطر.


أسامي كتار ما فيّي عدّن. بخاف ع صبيعي يخلصو وإنسى حدا. برأيي هنّي أجمل منّا، بيعرفو يروحو للحب أكتر، وبيعرفو يقصّو ضفير الزّعل والشوك. هون وبكلّ الدّول اللّي حدّنا، الشاعرات تريّة أمل مضوّاية. وفي مرا بتكتب مقالات حدّ القصايد وبتنشرن على ورق البال قبل ورق الحبر، دكتورة بتردّ الروح لجسم الكتابة إسما بروين حبيب».



الكنيسة الراهبة


في موضوع الإيمان والله، كتب العديد من الشعراء بوحيٍ من دياناتهم، لكن بشكل غير مباشر. لكنّ جرمانوس جرمانوس يُسمّي «يسوع» و «العذراء مريم» بشكل واضح ومباشر... ألا يخاف أن يُشكّل ذلك عائقاً أمام كلّ فئات القرّاء؟


يجيب الشاعر أنّ ما يكتبه، كلّه من وحي أمه وصلاتها، ويتذكّر كيف ترعرع في ظلّ «كنيسة مار ماما» في قريته. «أنا ابن هذا الطقس الجميل بكل إبداعاته، بقدّاسه، بالمبخرة، بكلّ نذوراته، بالسنديانة أمام الكنيسة التي أتخيّلها راهبة تقف هناك. في شهر الصيام مثلاً، أرى كلّ الطبيعة متغيّرة، المياه تتغيّر، كذلك الغيمة في السماء، وإذا نظرت إلى الشمس تغيب في زمن الصيام، أراها معلّقة على الصليب.


وفكرة أن أكون مباشراً بالتعاطي مع هذا الطقس أمر طبيعي. هذه روحي، هذا لون يدي وملمسها. هل تصدّقين إذا قلت لكِ إنني أحياناً أشعر أنّ مقعد الكنيسة راكع؟ لا أنكر الإلتصاق بهذا العالم لأنه عالمي. كذلك قريتي لا تغيب عن أيّ تفصيل من شعري، الطبيعة هي أبجديّة العين. العين تتعلّم من الطبيعة، لكن لا يمكن أن تحمليها كلّها، فتصير الاستعارات والرمزيّة حلّاً لي في شعري.


فمثلاً كتبتُ عن العذراء مريم أنّ كل الحقول وكلّ الأشجار تتمسّك بطرف ثوبها لأنّ ما من دعسة خضراء في التاريخ سوى دعسة مريم».



قريته والشعر


وعن قريته «كرم المهر» وأثر طبيعتها في شعره، ثمّة سؤال غريب طرق في رأسي: «ماذا لو كنتَ مولوداً في شارع من بيروت مثلاً؟ أي نوع من الشعر تتخيّله منك لو كانت إنتماءاتك مختلفة؟».


يجيب: «أحببت هذا السؤال وليس غريباً عنّي، وهنا أقول إنّ الموهبة هي الخمّارة وهي المعصرة. أما شوارع بيروت فهي أمر مختلف عن القرية. ربما كنت افتقرت في لغتي الشعريّة. فالشوارع تسكّر وتعتّم عليك، فتعطيك ربما أفكاراً مختلفة. وما من شكّ أنني كنت توجّهت إلى عالم البحر، ولكنت أقمت علاقة مع الموج والبحر، كذلك مع الشرفة والقهوة وكلّ تفاصيل المدينة.


بيروت هي منبر الشعراء عبر التاريخ، وتقول لي الكثير. بيروت نرثها في القصيدة مقدّسة ولا تنتهي. «بيروت كلّ ما محيّتها بتنكتب أحلى». في النهاية، الشاعر ليس ابن بيئته فحسب، بل هو ابن حالة غير محدّدة: «شو عرّفنا شو في بالهوا لمّا بيبري غصون الشجر متل الأقلام؟ ووين بيوصل ع الفضا؟ في سرار بالطبيعة ما بتخلص، شيلي شوية تراب بتشوفي شي جديد، شيلي حجر بالطبيعة بتشوفي عالم جديد تحتو. الطبيعة أم اللّغات، أم الإبداع».



الأم والحبيبة والموت


وعن أمّه التي كتب لها أجمل قصائده قال: «ماذا أستطيع أن أكتب عن أمّي حين تكتب هي قصيدتها بين أولادها والمسبحة، بين أولادها والنذر والرغيف؟. هي أجمل امرأة بعلاقتها وبسرّها مع الطحين. ذات يوم، وكنتُ طفلاً، كتبتُ على زيح أبيض في قماش فستانها أول قصيدة لي، «مرّات بتمشّى أنا وتمّي مطرح ما حطّت أجرها أمي».

أما عن قصائده للحبيبة فيقول: «الحبيبة هي الأم الثانية، وحين أحبّ، همّي الوحيد عدم جرح الحبيبة، أنا قد أتألّم وهذا لا يهمّ . وعندما وصلت الحبيبة كانت تحمل قصائدها بيدها، فوصلت معها القصائد».

عن الرّثاء في شعره وحديثه الدائم مع الموت، يُفصح أنّه حين يكتب عن الراحلين، «أكون في حال أمل بأن أعيدهم على طريقتي وأحياناً أشعر بأنهم يعودون ولو لدقائق».

وفي ختام اللقاء، سؤال أخير عن صعوبة الوصول في الشعر كمثل عناوينه «حطّاب الضباب»، أو «حبر أبيض»، وعن القصيدة التي يحلم بالوصول إليها قال: «أحلم بعد بالغوص أكثر في كتابة «الشروقي»، ولكن حالياً سأمرُّ بحالة سكوت، «وشو ما تحشّرت فيي القصيدة مش رح أضعف»، وسأحاول أن أجد في الحديقة عشبة جديدة. قد أنتظر الشتاء، قد أتبلّل أنا وهي، غير مهمّ، ولكن سأنتظر لأنّ هناك شيئاً ما لم يقله لي الشعر بعد، وَلَدَيَّ في الأفق نجمة تلتمع، سأنتظرها، قد تصل، قد تتأخر، ولكني سأنتظر».