ميشال معيكي

سلسلة: "قامات ثقافية" (14)

سعيد عقل: الشعر قبضٌ على الدنيا

5 دقائق للقراءة
الشاعر سعيد عقل (1912 - 2014)

سعيد عقل، إلى المدى الأرحب. تأبّط عصرًا ومشى إلى ذاكراتنا الجماعية. نادرًا أنْ شاعرٌ اكتنز هذا الكمّ الهائل من المعرفة، والنهم في الاستزادة: في الشعر والسياسة وسحر اللغة والسّبك والتاريخ والجغرافيا والأرقام، واللاهوت!

سمعتُه مرّة يقول: "أنا اختصاصي بالله"!

صنع مجدًا للبنان "كما الأعمدة"... غنى تاريخًا وأغنى لنا زمنًا... كتب - كما لا أحد - شعرًا ونثرًا وفكرًا. غنت فيروز قصائده، فاستفاق العرب على أمجادهم: من بردى إلى دجلة فالنيل، وصولًا إلى قدس الناصريّ وحَرَم الإسلام...

سعيد عقل القصيدة، ذاكرة لبنان الأجمل بأبهى حروفها. آمن بالعلم فاعتبره "قصيدة القرن العشرين". وحلمه منذ الصغر، أن يكون مهندسًا فدرس الرياضيات...

شاعرٌ معرفيّ، إنسانوي، مثاليّ، شطح إلى المدارات الأخرى، غَزِلٌ، عنفواني حتى الهَوَس. صاحب مدرسة في الوطنية و "تأليه الوطن"، إلى طوباوية مدى "لبننة العالم"!

إلى ذلك، فهم سعيد عقل هموم زمانه: في السياسة وجغرافيا الجوارات ومنطق التاريخ. وعى باكرًا خطر إسرائيل على لبنان... في العام 1954 في محاضرة في "الندوة اللبنانيّة": "أنّ عشرين مليون يهودي ضاربين في أنحاء العالم، استحال عليهم الذوبان في الشعوب. جاؤوا إلى الشرق. الرقعة التي احتلّوها لا تسعهم وطبيعتها لا تؤمّن اقتصادهم... ثم هم يعرفون، ونحن لا نعرف، أن لبنان هو حاووز الماء الوحيد في دول الشرق وهنا بيت القصيد". ويكمل: "لا يمكن أن نغلب إسرائيل بآراء سياسية يلوكها سياسيّون غارقون في الجهل. ولا يمكننا التغلّب عليها إلّا بالرياضيات والعلم والتكنولوجيا...".

ذات يوم ترشح لانتخابات النيابة، ولحسن الحظ فشل، وله رأي في السياسيين: "هل يُصدّق أحد من لبنان أن محض إرادة الشعب أوصلت يومًا، ولو شخصًا واحدًا إلى المجلس؟ كم نائبًا وصل بدون أن يدفع؟ أو أن يتملّق ويغوغىء؟!". ويتابع: "علينا أن نشفق على رجالنا السياسيّين كلّما تصدّى أحدهم لإزالة أنين النفس اللبنانية!".

قصّته مع عاصي ومنصور الرحباني التي بدأت مطلع خمسينات القرن الماضي في مدرسته "مار افرام" - زحلة، استمرّت عقودًا... فغنت فيروز قصائد من "رندلى" و "يارا" و "كما الأعمدة" و "لاعب الريشة" و "غنيتُ مكة" وبعض أغاني "العودة"...قال فيها: "فترة الأخوين رحباني من أجمل فترات حياتي".

سحرَ المنابر في المهرجانات وأماسي الشعر. بالبال مطالع القصائد:

عام 1976 رثى سعيد عقل صديقه أمين نخلة:

"بيني وبينك... لا عرش ولا تاج

قم نرتقي الخلد، شعري اليوم معراج".

وللأخطل الصغير:

"لا مذ بكيتك، لكن قبل، مذ سكتت يراعة لك، قل الهم في الغصن".

ولأحمد شوقي زائرًا زحلة:

"على اسمك بين الحَورِ أغوى وأهدر

أنا النهر، شوقي، أيُّنا اليومَ أشعر؟".

في العام 1983، في مطلع قصيدة تشبه نهدة الرحيل كتب:

"يوجعني أنّي سأمضي وشبابي والأمل

أحمل غابتي معي وسنديانًا وقِلَل

أرضُ بلادي وحدها تبقى

وديوان غزلْ كتبتها أنا

على جناح عصفورٍ رحلْ".

طرح أسئلة الما بعد والموت والحضور ورجاء الحياة.

الشعر عند سعيد عقل في نسغ كينونته، حركيةٌ جدلية، ومبرر وجودٍ في حياة. وقف وحيدًا على قمّة برجه، دفاقة صُور شعرية وطروحات ورؤى. فكان وحدته احتفال ذاتي بحضوره واستمتاع بسبكِ جماليةِ حياة.

نقول مدرسة؟ نقول أيضاً شاعر الحلم الكبير، الطوباوي المستحيل... نسله الشعريّ منه وله. فكأنه لم ينتسل من أحد ولم ينسل، أكيدًا... إلى شطحاته في عالم اليوتوبيا، آمن سعيد عقل بالمعرفة والأرقام. والعلم عنده وراء كل تحفةٍ، كما يقول، إنه "قصيدة القرن العشرين"...

صاغ لبنان آخر. نسجه من طوافه فوق الحضارات ومدنيّات فلاسفة الشعوب... "لبنانه إن حكى" اختراع لمقارعة "جمهورية" أفلاطون... ابتدع وطنًا رعاياه: فلاسفة وأبطال، حكماء وشعراء، مؤرِّخون وعلماء وفنانون وطيبون... يقول: "أنا أول الشعراء... ثم يتساءل ويجيب: "من أنا؟ أغنية لم تكتمل رصدت... إلا إذا كنت الختام".

الشعرُ قَبضٌ على الدنيا! وبِتوَهُّج الأمل نقول مع سعيد عقل: "أجمل التاريخ كان غدًا"!


من شاعر؟

من مجموعة "كما الأعمدة" في رثاء الأخطل الصغير


لا مذ بكيتك، لكن، قبل، مذ سكتت

يراعةٌ لك، قل الهمّ في الغصن

أنا الذي قال: يا شعر، ابكهِ وأجد

من قبل ما كان لا، يا شعرُ لم تكن

...والكون، قلهُ رنين الشعر، قله صدى

لِكف ربّك إذ طنت على الزمن

من شاعر؟ من تظل الريح دارته

ترمي بأبراجها في الأفق لم تشن

...إن شدّنا البحر، لا ملآن، بعد، بنا نفرغه منه أن أسكن او بنا أنسكنِ!

جبالنا هي نحن: الريح تضربها

نقوى وما يعطِ قصف الرعد نختزنِ

عِشنا هنا لا نهمّ، الفقر مرَّ بنا

ومرَّ من شبر ارض غرّه ففني...

للفقر قلنا: استرح، للمستبد: اشح

غدًا على الرمل لا يبقى سوى الدمنِ

... أثور! آخذ بالصلبان من غضبٍ

اردهن واغوى أسيفًا وفني...

"ردّي جمالك"، يا دنيا، أقول مع الأبطال، "غُرّي سواي" اليوم، وادّهني!...

هم يدنقون، وهمّي النار أُشعلها من كِسر عظمي، وإن ينفد فمن كفني...

ما المال؟... قوله "لا" ...والله أَلبَسُه به غَنّيت وغَيري بالتراب غَني


الموعد الضائع

ما همّني؟ والطيب لا يخمدُ

إن مرَّ من دوني أنا، الموعدُ!

غداً أجيء الدار أخلو إلى

بقيةٍ من عهدها تُعبدُ،

تهش لي حجرتها غضّة،

والجدرُ، والأستار، والمقعدُ؛

أشياء للقبلة فيها فمٌ

حلوٌ، وللهو بِشَعرٍ يدُ.



من مؤلّفات سعيد عقل



من مؤلّفات عقل



من سعيد عقل إلى ميشال معيكي بـ "اللغة اللبنانيّة"



"خماسيات" سعيد عقل