وائل خير

خيارات سياسية

4 دقائق للقراءة

صنّف البحّاثة والمؤرّخون المدارس السياسية التي سادت منطقة الشرق إلى ثلاثة خيارات: خيار مثالي، خيار واقعي وخيار انتهازي. المدرسة موضع تقديري هي الواقعية ولا يضيرها أنها الأقلّ جذباً لشعوب منطقتنا. هي منحى يخاطب العقل فيما سائر الخيارات تحرّك العواطف والغرائز.


المدرسة الواقعية تلتزم بالحقائق ولا تدع الأوهام والتمنّيات تقودها. لكن ما تفسير انسياق البشرية للأوهام بدلاً من الحقائق؟ ربما كانت البشرية ضحية الفكر الفلسفي اليوناني الذي جعل "السياسة" وهي بتعريفه "الاهتمام بشؤون المدينة (البولس) من الناحية الأخلاقية"، في عداد خماسية تعريف أرسطو للفلسفة. كما تعامل معها أفلاطون في "الجمهورية" التي بسطت وصفاً مثالياً للمجتمع ذي 3 طبقات، المنتجة، (فلّاحون وعمال) والمدافعة (الجنود)، والفلاسفة وهم المفكّرون الذين يديرون الأوضاع العامة. أولى أفلاطون الحكّام اهتماماً خاصاً. تولّي الحكم يقوم على الكفاءة لا على الأنسب إذ يتطلب سنوات من التثقيف والتدريب ينتهي بتبوّؤ الأنسب والأكفأ مقاليد الحكم.


هذا السرد، على منطقيته وجاذبيته، لم يكن يوماً محلّ تطبيق. السبب يعود إلى سوء فهم الطبيعة البشرية وافتراض أن الإنسان كائن عقلاني يديره المنطق وينصاع لأحكام العقل. كان على البشرية أن تتخبّط طوال 2400 سنة حتى تنفتح أعينها مع تقدّم القرن التاسع عشر على أن الإنسان كائن تقوده العاطفة وما العقل والمنطق إلّا وسيلة عاطفية تبرر نزواته اللاعقلية. حسبك استعراض حرب المساندة واحتفال الكثير من شيعة لبنان بانتصاراتهم وإن شيّعوا قائدهم التاريخي وقياداتهم العسكرية ونخبهم القتالية وألوف المقاتلين وما يفوق عددهم من الجرحى وذوي الإعاقة وتدمير مئات القرى وآلاف المنازل.


من شروط الواقعية السياسية أن تدرس التطوّرات وتتكيّف معها. في بدايات القرن الحادي والعشرين وطوال ما يقرب من عقد، شاع بين المثقفين ومؤسسات دولية حركة تنديد بـ "العولمة" وعقدت مؤتمرات لذاك الغرض حول العالم بما فيها بيروت. كنت ممن اعتلوا المنبر في ندوة عقدت في فندق الكومودور.


افتتحت كلمتي بمشهد يصوّر واقعاً... قلت إن البشرية كانت حتى القرن التاسع عشر تلتزم بتراث لم تخرج عنه يوماً. ذلك هو انتقال الأشخاص ونقل البضائع على الدّواب والعربات. تطوّرت وسائل المواصلات في القرن التاسع عشر وهو ما حاول الفرنسيون في إطار دولة لبنان الكبير إدخاله بشق الطرق وتوسيعها في أنحاء لبنان، خاصة الجبل، كفاتحة عصر جديد، عصر نقل البضائع والمسافرين بشاحنات وباصات وسيارات. كان هذا التطوّر تهديداً واضحاً لمهنة "المكارية" ونذيراً بإنهائها.


التقى خمسة "مكاريي" في خان ودار بينهم ما كان هاجسهم جميعاً. ما العمل لوضع حدّ لهذا الكابوس والمحافظة على مهنتنا وحماية مورد رزقنا؟ قال أول المتكلّمين "لم لا نثير حجة دينية في وجه دعاة النقل بواسطة السيارات والشاحنات؟ أين ذكرت في الكتب المقدسة عند جميع أديان لبنان وطوائفه هذه البدعة؟ ثم هل من نبي أو رسول أو ولي استعان بوسيلة نقل أو انتقال غير الحمار أو البغل أو الجمل؟ وسائل الانتقال والنقل الحديثة هي شرك وبدعة تخالف الدين ولا شك بأن مصير من يزاولها أو يستعين بها سيكون السعير وبئس المصير".


أثنى الحضور على طرح زميلهم وقام بينهم خطيب ثانٍ أيّد أشدّ التأييد ما سبق سرده لكنه أضاف "أقترح أن نضيف حجة أخرى نعبأ وراء هدفنا العلمانيين أيضاً. لنثر قضية البيئة. إن السيارات والشاحنات تسيء إلى الطبيعة بالغازات التي تنبعث عنها كما سيكون لها، دون شك، دور في رفع حرارة الأرض وتعريض البشرية لخطر الزوال والاندثار. في المقابل، الحمير والبغال والجمال أرفق بالطبيعة، لا بل إنها تخدم الطبيعة بنشر روثها في كل مكان".


تحمّس ثالث واقترح إضافة حجة سياسية تجذب إلى صفوفهم اليساريين الذين يناهضون الاستعمار والإمبريالية "ألا ترون معي أن في هذا التحوّل عن السفر والانتقال التقليديين خدمة للدول الغربية الاستعمارية خاصة أميركا، إذ سنلزم بشراء مصنوعاتهم وأيضاً المحروقات التي تنتجها وتسوقّها شركاتهم النفطية لتسيير السيارات والشاحنات فيشتدّ بأسهم الاقتصادي فيما هدفنا إضعاف معسكر الإمبرياليين".


المتكلم الرابع اقترح إضافة بعد اقتصادي لطروحاتهم."من هي الدول المنتجة لوسائل النقل الحديث؟ أليست هي دول أجنبية؟ لمَ نخدم اقتصاد الأجانب بدلاً من اقتصادنا الوطني بتحويل هذه المبالغ، ولا شك ستكون عظيمة وعلى تزايد، إلى الخارج بدلاً من وضعها في خدمة الاقتصاد القومي. أما البغال والحمير فهي، كما كلّنا نعلم علم اليقين، نتاج وطني".


أما المكاري الخامس فلزم الصمت. في اليوم التالي التحق بمدرسة ليتعلّم قيادة الشاحنات.


سألت يومها الحضور وأوجّه السؤال اليوم لنا: من كان الأحكم بين الخمسة؟