مايا الخوري

ركيزة "لأنا الطفل" ومغذيته النفسية

أيتها الأمّ: ثبّتي استقلاليّته وأطلقيه حرّاً

5 دقائق للقراءة

الأمّ محور العلاقات الأسرية وصلة الوصل بين الأب والأولاد لأنها تميل إلى الدبلوماسية والهدوء أكثر منه، فتمتصّ الصدمات في العائلة وتقرّب وجهات النظر. هي نقطة الارتكاز "لأنا الطفل" والراعي لاستقلاليته حتى يصبح حرّاً منطلقاً في الحياة.  

لا يختلف اثنان حول تأثير غياب الأم على صحة الأطفال الجسدية والنفسية، سواء كان غيابها قسرياً بسبب الموت أو الطلاق، أم معنوياً كوجودها شكلياً من دون أن تلعب دورها الأساس لاهتمامها بأمور أخرى، أم مواجهتها مشكلات نفسية تحول دون اهتمامها بأطفالها، ما يؤدي إلى قلق شديد يعزّز اضطرابات سلوكية، واضطرابات نفس- جسدية واضطرابات في التركيز. كما يؤدي إلى نشوء شخصية حادة أو أخرى تبحث عن اهتمام عاطفي خارج المنزل، إلى حدّ بناء علاقات قد تجرّ إلى سلوكيات سيئة مقابل الحصول على العاطفة. أو على العكس قد يتحوّل الطفل إلى شخصية انطوائية منعزلة عن الآخرين.



الأم هي نقطة الارتكاز "لأنا الطفل"، من الحمل إلى الولادة وحتى سنواته الأولى، لأنها المسؤولة عن حياته، يعتمد عليها في المأكل والمشرب والاهتمام وإلا مات. لكن علاقتهما الوثيقة هذه تتغيّر تدريجاً وتتطوّر، حتى يبلغا مرحلة الانفصال ليصبح ولداً مستقلاً وفق ما تشير المعالجة النفسانية والاختصاصية في علاج الأزواج ماري أبو هلون، واصفةً العلاقة الأولى بين الأم وطفلها، بالحسيّة حركية، ترتكز على النظرة والابتسامة كما الاهتمام اللطيف بجسمه وملامسته بعطف وحب، ما يمنحه راحة نفسية، خصوصاً أنه كتلة إحساس يلتقط حبها وعاطفتها مثلما يلتقط توتّرها، لهذا السبب "نشدّد على أهمية تجنيب الأم ضغوطاً نفسية وجسدية أثناء الحمل لئلا يتأثر الجنين ويتحسّس وجعها".



إلى ذلك، تشكل الأم نقطة الارتكاز "لأنا الطفل" لأنها تؤمّن الثوابت العاطفية التي سينشأ عليها وتمنحه الإطار العاطفي الذي ينعكس على بناء شخصيته لاحقاً. وتشير إلى أن وظيفتها ليست المبالغة في حمايته والجلوس في سريره طيلة الليل، بل منحه إطاراً عاطفياً سليماً وثابتاً وعادات راسخة وفق ما يناسب سنّه. فهو يحتاج إلى حبّها كما إلى تعليمه كيفية الاتكال على نفسه وتنمية ثقته واستقلاليته وإرساء نظام واضح له بمثابة مرجعية ترشد خطاه المستقبلية وتمنحه الاستقرار.


إلى ذلك تغذّي الأم جهاز طفلها النفسي، وفق أبو هلون، فترسم في مرحلة الطفولة صورته الذاتية كالمرآة التي يرى نفسه من خلالها بطريقة إيجابية ويكتشف قدراته. وتكون الصورة التي تتماهى معها الفتاة وتتشبه بها لتؤسس حياتها وعائلتها في المستقبل، كما تكون الصورة الأساس التي سيختار ولدها من خلالها شريكة حياته. أمّا في مرحلة المراهقة، فهي الأذن الصاغية لا الشخص المنتقد.



وتتحدث أبو هلون عن انعكاس تعلّق الطفل الشديد بوالدته على تطوّراته الإدراكية واللغوية والاجتماعية، لافتةً إلى إمكانية تطوّره على صعيد الإدراك والقدرات الفكرية لكنه قد يتأخر على الصعيد اللغوي، لأن اللغة هي "تواصل حرّ"، معتبرة أنّ الطفل غير المنفصل عن أمه، لا يكتسب التواصل اللغوي مع الآخرين، لعدم قدرته على التعبير عن نفسه، فيما تتوّلى هي التحدث بصيغة الـ "نحن"، كنتيجة لعدم الانفصال الذهني عنه، فيعاني قلقاً اجتماعياً ومشكلات سلوكية اجتماعية.


وكردّ فعل لعدم انفصالهما، "إما يرفضها في المراهقة أو يرضخ لها من دون تكوين نضوج عاطفي طبيعي في المستقبل. وفي الحالتين ينمّي شخصية غير مستقلة، قد تكون حادة أو غير ناضجة أو غير قادرة على اتخاذ القرارات من دون إرشاد. من هنا أهمية دورها في تثبيت استقلاليته الذاتية ليصبح حراً منطلقاً قادراً على اتخاذ قراراته في الحياة".




وتشدّد أبو هلون على أهمية صحة الأم النفسية لأن مشاعرها الإيجابية والسلبية تنعكس على أطفالها، فهم يلحظون قلقها ويرتبكون، فيتصرفون بطريقة سلبية. "كلما كانت الأم مرتاحة في التربية وملمّة في كيفية التواصل معهم تصرّفوا بهدوء ومشاعر إيجابية تجاه الآخرين. كما يجب أن تتمتع بصلابة لتحمّل الضغوط وقول كلمة "لا"، لأن التربية لا تقوم على التساهل بل على تعليم الطفل كيفية التعامل مع الإحباط".




المضحية تخسر فرحها


تقول أبو هلون عن تعزيز صحة الأم النفسية:

للأب دور مهم جداً لا يقتصر على تأمين المال والتنصّل من التربية، فمثلما يتماهى الأولاد مع صورة الأم كذلك مع صورة الأب. ومثلما يتعامل معها أمامهم، يتعاملون معها بدورهم. ويتعاونون كلما كان متعاوناً معها في التربية. لذا من المهم التكامل في تربيتهم لتخفيف الضغط عنها، وكلما قدّر الشريك تضحياتها وعملها زادت ثقتها بنفسها وعاشت مرتاحة".



من جهة أخرى يجب أن تدرك الأم أنه يتوجّب عليها الاهتمام بجسدها ومظهرها وعلاقاتها مع الناس لأنها امرأة أيضاً، فلا تكرّس حياتها من أجل أولادها فقط. فالمضحية جداً، تفرغ من الداخل، لتخسر فرحها وراحتها.


أنصحها بالترفيه عن نفسها باليوغا والرياضة وتخصيص وقتٍ خاص بها. وأقول لها، متى كنت بصحّة نفسية جيّدة، كانت صحة أولادك النفسية جيّدة وكذلك صحة العائلة، لذا من الضروري الاهتمام بنفسك لتكوني مرتاحة من النواحي كافة.