أيام قليلة تفصلنا عن عيد الأم، ورغم الحرب في لبنان والمنطقة يفرض قيمة هذا العيد ثقله وسط الدمار. كيف لا؟ ومنذ لحظات الطفولة الأولى تُعدّ الأم الركيزة الأساسية لبناء التوازن الجسدي والنفسي عند الطفل، فهي مصدر الأمان والطمأنينة والاستقرار الأوّل له بوجه المخاوف والظروف القاسية التي نختبرها في لبنان. ولا يقتصر دورها على تلبية احتياجاته اليومية بل احتواء مشاعره لصقل شخصية متوازنة قادرة على التكيّف بثبات.
يتمحور الاستقرار العاطفي عند الطفل حول شعوره بأنه محبوب ومقبول وبأمان في كنف عائلته، ما يساعده على نموّ واثق مستقل، لذلك نحدد أهمية دور الأم منذ اللحظة الأولى لولادته، لأنها أول مصدر أو صورة للتعلّق عنده، تُبنى من خلالها أنماط التعلّق المستقبلية. إذًا، مرحلة الطفولة مهمّة جدًا في حياة الطفل وفق ما تحدد الأستاذة الجامعية الدكتور كارول سعادة، اختصاصية في علم النفس العيادي والمرضي، حيث يرتكز دور الأم في خلالها على تلبية احتياجاته اليومية، العاطفية والجسدية، بعطف وحبّ في بيئة خالية من التهديد والخوف، يشعر فيها بأنه محميّ ومحبوب من دون شروط، وواثق بأن والدته موجودة دائمًا للاستجابة لاحتياجاته ولمنحه الدفء العاطفي.
كما يرتكز الاحتواء العاطفي على استيعاب الأم عاطفة طفلها ومشاعره وما يحاول التعبير عنه، خصوصًا أن جهازه العصبي لا يستطيع في تلك المرحلة التحكّم بطريقة تعبيره، فيغضب أو يبكي أو يصرخ، فتساعده هي على تسمية مشاعره وتمييزها ليتمكن تدريجًا من اكتساب القدرة على تسميتها بنفسه. ومن المهم أيضًا أن تفسح في المجال أمامه للتعبير عن مشاعره فيتمرس مع الوقت على التحكّم بها وتنظيمها ما ينمّي ذكاءه العاطفي. لذلك تُعتبر علاقة الأم بطفلها في هذه المرحلة مهمّة جدًا لأنها من سيحتضن مشاعره ويستوعبها ويحتويها ويساعده على تحويلها والتعبير عنها لئلا يكبتها.
وتضيف: "عندما يشعر الطفل بأنه محبوب من والدته من دون شروط أو تهديد لهذا الحبّ، في خلال محاولة تصحيح سلوكياته، تنمو ثقته بنفسه وحبّه الذاتي وذكائه العاطفي الذي ينمو مع الاحتواء العاطفي الذي يمكّنه أيضًا من تكوين علاقات صحيّة مع الآخرين، فيخرج إلى الحياة محصنًا وذا مناعة نفسية قادرًا على بناء علاقات صحيّة، فيخف عنده القلق بشكل عام أو القلق الاجتماعي. مع الإشارة إلى أن السلوك العدواني عند الطفل أو التعبير بغضب أو بانفعال مبالغ أو تهوّر هو نتيجة لعدم الأمان في الأسرة. فوجود الجوّ العائلي السليم ينعكس استقرارًا عاطفيًا يخفف السلوك العدواني عند الطفل".
وتشدد سعادة على أهمية أن يعبّر الأهل للطفل باللمس والتواصل الحسّي، فثمة من لا يعبّرون عن حبّهم بالكلمة الواضحة ويجدون صعوبة في معانقة أولادهم وتقبيلهم خصوصًا في سن المراهقة، ولكن هذا السلوك مهم جدًا وضروري لأنه يرفع هرموني "اوكسيتوسين" و"اندورفين" المسؤولين عن إحساس الطفل بالأمان والسلام الداخلي، وبالتالي يصبح جهازه العصبي متوازنًا ما يشعره بأنه محبوب بشكل واضح وليس من خلال تأمين احتياجاته المادية.
وعن انعكاس التواصل العاطفي بين الأم وطفلها في تحقيق توازنه النفسي، تقول: "بيّنت دراسات في التحليل النفسي حول علاقة الأم بطفلها، أهمية التعلّق الآمن بينهما وشعوره بوجودها الدائم للاستجابة لطلباته واحتياجاته العاطفية أي الاحتواء العاطفي، والاستمرارية والثبات في العلاقة ما يجعله يشعر بالأمان".
أمّا غياب هذا الجوّ المستقرّ، فيؤدي مستقبلًا إلى تعلّق غير آمن أو إلى حاجة مبالغة للحصول على عاطفة قد يبحث عنها بطرق سامّة. أو قد يتحوّل قلقه إلى حالة مرضية، أو قد يبحث عن الكمال كنتيجة للحب المشروط الذي خبره في طفولته، فيشعر بأنه غير راضٍ عن نفسه وغير مكتفٍ فيعيش هذا الصراع طيلة حياته.
وعن الإشارات الدّالة إلى عدم شعور الطفل بالأمان، يمكن أن تلحظ الأم وفق د. سعادة، تراجعًا على المستوى الفيزيولوجي، أي تأخرًا في النموّ الجسدي واضطرابات في الأكل والنوم والتعلق المبالغ بها والكوابيس الليلية، والقلق الكبير والخوف من المستقبل، ورفضًا في الذهاب إلى المدرسة، وتراجعًا في العادات المكتسبة كالتبوّل اللاإرادي المستجدّ أو الاستيقاظ مجددًا في الليل، وأعراضًا نفس- جسدية كأوجاع البطن والرأس والغثيان. لذلك فإن احتواءها للطفل، يفسح في المجال أمامه لتسمية مشاعره والتعبير عنها. ويمكن أن تشجعه على ذلك من خلال اللعب السلوكي لتكون حاضنة له عبر تأمين التواصل الحسي والعاطفي فتطمئنه وتكون مصدر أمانه.
وبالنسبة إلى تمايز الخوف من القلق المرضي، "فالأول هو ردّة فعل طبيعية تجاه خطر، يرتبط بظرف معيّن ويكون محدود التوقيت والانعكاسات على حياة الطفل بينما يستمرّ القلق لفترة طويلة، يظهر تجاه مواقف غير مبرّرة وخطر غير داهمٍ ويكون غير واقعي استباقًا للأحداث، ويترك تداعيات كثيرة من بينها التراجع الدراسي والأرق وغيرها. من جهة أخرى، يمكن أن ينقل الوالدان قلقهما تجاه أمور معيّنة إليه، لذلك يجب أن ينتبها لذلك ومساعدته على الشعور بالأمان".
وتشير د. سعادة في النهاية إلى الضغوط التي تعيشها الأم العاملة وغير العاملة على حدّ سواء وتعدد الأدوار التي تقوم بها وضيق الوقت ما يؤثر على وجودها الفعلي مع أطفالها، إضافة إلى الضغوط النفسية التي نعيشها جميعنا في لبنان بدءًا من متطلبات الحياة وصولًا إلى الأزمات الأمنية والمعيشية المتتالية، ما يجعلنا نتحدث عن احتراق نفسي عند الأمهات.
إلى ذلك ثمة نظريات كثيرة تُعرض عبر "السوشيل ميديا" متضاربة ينشرها أشخاص غير اختصاصيين يقدّمون نصائح تربوية تنعكس ضغطًا نفسيًا على الأم لذلك ندعوها إلى تمييز ما تسمع لئلا تعيش في قلق مستمرّ وتساؤل دائم عمّا إذا كانت تقوم بدورها بطريقة صحيّة وصحيحة.