المستشارون في هذا العالم مثل الملح في الطعام، بعضهم ضروري، وبعضهم زائد عن الحاجة، وبعضهم يرفع الضغط بدل ضبطه. إنهم في كل مكان، في السياسة، في الاقتصاد، في العلاقات العاطفية، وحتى في طابور السوبرماركت، حيث يقف شخص لا علاقة له بكم، ينصحكم بتجربة نوع معيّن من الجبنة وكأنه أمضى حياته في مختبرات الألبان.
تخيّلوا لو كنتُ أنا مستشارة! تخيّلوا الفوضى العارمة، والنصائح غير التقليدية، والإجابات التي ستجعل طالب الاستشارة يضحك حتى ينسى مشكلته، أو يبكي لأنه ضاع بسبب إجابتي وأضاع حتى ما كان يبحث عنه. لن تكون استشاراتي مكرّرة، مثل "تحلّوا بالصبر"، و"كل شيء سيصبح أفضل". فإذا كنتم بحاجة إلى نصيحة مملّة، اذهبوا إلى مستشار كلاسيكي يحدّثكم عن "التخطيط طويل الأمد"، أما إذا كنتم تريدون استشارة حقيقية، جريئة، وواقعية لدرجة الصدمة، فأنتم أمام الشخص المنشود!
والآن، اربطوا الأحزمة، لأنني سأقدم لكم تحليلات عميقة مثل كوب شاي ثقيل، ونصائح لاذعة مثل تعليق الجدة على زيادة وزن حفيدتها، واستشارات تجعل الحياة، إن لم تكن أسهل، فعلى الأقل أكثر إمتاعاً!
تشكون من العمل؟
إذا أتى أحدكم إلي يسألني عن عمله، سأنطلق معه بسؤال بسيط، "هل تستطيع احتمال مديرك من دون الحاجة إلى جلسات علاج نفسي أسبوعية؟" إذا كان الجواب "لا"، فسأوصيه باستقالة فورية، مع اقتراح خطّة احتياطية تتضمن البدء بمشروع صغير، مثل بيع القهوة لزملائه المستائين في الشركة، حتى يصبح هو مدير حياته الوحيد. وفي حال أصرّ على البقاء، فسأقترح عليه منهجيّة "كن غائباً وأنت حاضر"، أي أنّ عليه إتقان فن الوجود بلا فائدة حتى ينسى الجميع أنه يعمل معهم.
مشاكل مع الحب
هنا، الوضع أعقد، لأنّ الحبّ حالة غير عقلانيّة بطبيعتها، لكنّ استشارتي ستكون منهجيّة وغير ديماغوجيّة، وسأقول لطالب أو طالبة الاستشارة: إذا كنتَ واقعاً في حُبّ شخص لا يردّ على رسائلك إلا بعد ثلاثة أيام، فهذا ليس حبّاً، بل اختباراً لصبرك، والنتيجة محسومة: أنت راسب!
وإذا كان شريكك يغيّر مزاجه كلّ نصف ساعة، فاعتبر نفسك متدرِّباً في سيرك عاطفي، وأعد تقييم رغبتك في أن تكون مهرِّجاً طوال حياتك.
أما إذا أتاني مستفسر يستشيرني "كيف أجعل شخصاً يحبّني؟"، فسأجيبه بكل ثقة، عليك بالاقتصاد العاطفي، لا تمنحه الكثير من الاهتمام دفعة واحدة، بل تعامل مع مشاعرك وكأنها ذهب في زمن التضخّم. أعطه نظرة غامضة اليوم، ثم تجاهله غداً، ثم أرسل له رسالة عشوائية بعد أسبوع تقول فيها: "هل سبق أن شعرتَ بأن القهوة تفهمك أكثر من البشر؟"، وراقب كيف يبدأ بالتفكير فيك بلا سبب، وقد يتصل بالرقم 04710224 ليستفسر عن حالتك العقلية.
استشارة سياسية
السياسة! هنا الإفاضة. إذا كنتم بحاجة إلى استشارة سياسية، فأنتم إما شجعان جداً، أو يائسون جداً، أو تعملون في مناصب رفيعة ولا تملكون أدنى فكرة عمّا ينبغي فعله. في كلّ الأحوال، استعدّوا لسماع الحقيقة، أو على الأقل نسخة معدّلة منها، حسب الظروف الجوية والمصالح الإقليمية.
أولاً، سأبدأ بسؤالكم: "كم عدد المستشارين الذين استشرتموهم قبلي؟" لأنني أعرف أنّ أيّ شخص يطلب استشارة سياسية يكون قد جمع قبلها عشرين رأياً متناقضاً، بدءاً من المحلل الاستراتيجي في التلفزيون، مروراً بعمّه الذي عاش في الخارج ثلاث سنوات ويظنّ نفسه خبيراً في العلاقات الدولية، وصولاً إلى سائق التاكسي الذي لديه نظرية متكاملة حول كل شيء، من انهيار الاقتصاد إلى تفسير نشرة الأحوال الجوية.
ثم سأطرح عليكم السؤال المصيري: "هل أنتم متأكدون أنكم تريدون معرفة الحقيقة؟"، لأنّ الحقيقة في السياسة كعظمة الدجاج العالقة في الحلق، إن لم تقتلكم فستجعلكم تتمنون لو أنكم لم تأكلوا أصلاً.
في حال أردتم استشارة حقيقية، فسأطلب منكم توقيع تعهّد بأنكم لن تندموا لاحقاً، فالسياسة أشبه بلعبة شطرنج يلعبها أشخاص لا يلتزمون بالقواعد، ويحرّكون القطع متى وكيفما شاؤوا، وأحياناً يسرقون الرقعة بالكامل ويتركونكم تُحرّكون البيدق على الطاولة الفارغة.
سرُّ سياسي
لكن دعوني أخبركم سرّاً. الاستشارة السياسية ليست مشكلة في حدّ ذاتها. المشكلة أنّ هناك مليون مستشار سياسي لكلّ مسؤول واحد! وكل واحد منهم يقدّم نظرية مختلفة، مبنيّة على مصادر "موثوقة" مثل إشاعات الجيران، وتحليلات "الخبراء" على مواقع التواصل الاجتماعي، وقصة سمعها من صديق يعرف شخصاً يعرف شخصاً يعمل في منصب حسّاس. والمحصّلة؟ قراراتٌ متضاربة، اجتماعات ماراثونية لا تنتهي، وتقارير مليئة بالكلمات الفخمة التي يمكن أن تُفسَّر بعدة طرق، حسب الزاوية التي تنظر منها، أو حسب المزاج.
لذلك، إذا كنتم تحلمون بأن تكونوا في موقع سياسي وتحتاجون إلى استشارة، فخياركم الأفضل هو أن تصبحوا أنتم مستشارين، لأنّ المستشار في السياسة يعيش أكثر من السياسي نفسه. فهو لا يتحمّل أي مسؤولية، وفي حال فشل القرار، لديه دائماً خطة احتياطية: "أنا كنتُ قد حذّرتكم، لكن لم يستمع إليّ أحد!".
أما نصيحتي الأخيرة لكم في السياسة فبسيطة جداً، "السياسة مثل الأحوال الجويّة، لا تتوقعوا منها الاستقرار، فقط تمسّكوا بمظلّاتكم، ولا تستثمروا في الشمس، لأنها قد تتحوّل إلى عاصفة في أية لحظة!"
نصيحة مالية
والآن، لو أتيتم تستشيرونني في مسألة تهمّ "Crésus"، سأطرح عليكم سؤالاً وجوديّاً: "هل لديكم مال أصلاً؟" إذا كان الجواب "لا"، فسأريحكم من عناء التفكير بالادّخار والاستثمارات، لأنّ الأمور واضحة: أي خطة مالية تبدأ من الصفر ستبقى في الصفر. أما إذا كان لديك بعض المال، فسأنصحك بتجنُّب النصائح المالية، لأنها غالباً ما تأتي من أشخاص لم يكسبوا فلساً في حياتهم إلا من بيع كتب عن كيفية كسب المال.
مشروع زواج
الزواج مشروع طويل الأمد، أشبه بشراء اشتراك مدى الحياة في قناة تعرض أفلاماً لا يمكنك تغييرها. لذا، سأقدّم لكم استمارة تقييم ذاتي تتضمن الأسئلة التالية:
هل يمكنكم تحمُّل صوت شخص يمضغ طعامه بصوت مرتفع دون التفكير في الطلاق؟
هل تملكون قدرة خارقة على سماع الحكاية نفسها ألف مرة من دون أن تُصابوا بالجنون؟
هل تستطيعون تجاهل حقيقة أنكم ستتلقون رسائل: "اشترِ بطاطا" وأنتم في قمة انشغالكم بأمر عظيم؟
إذا أجبتم بـ"لا" على أكثر من سؤال، فسأمنحكم شهادة تقدير بعنوان "نجوتم بحياتكم!"
مصيري كمستشارة
بعد هذه الجرعة من الاستشارات الفذّة، أعلمكم أنني لا أضمن لكم أنكم ستخرجون من عندي بحلّ، لكني أتوقع أنكم قد تخرجون بضحكة، وربما بقناعة أن مشكلتكم ليست الأسوأ!
تذكّروا أنّ في دنيا المستشارين، هناك من يمنحكم كلاماً مُعقّداً بلا معنى، وهناك من يتحفكم بنصائح قديمة كأنها وصفة طبّية من القرن الماضي. أما أنا، فأنصحكم بشيء واحد فقط، إذا وجدتم أنفسكم في مأزق، تذكّروا أنّ الحياة أشبه بمشورة سياسية، غالباً ما تكون مربكة، نادراً ما تكون منطقية، وتنتهي دائماً بجملة "ستتضح الأمور لاحقاً!"... هيّا لا تنتظروا استشيروني!