زائدة الكنج الدندشي

ثقافة التقليل من الآخر: لماذا لا نشجّع بعضنا؟

3 دقائق للقراءة
تقدم الآخر ليس تهديدًا لمكانتك

في مجتمعنا، قلّما نسمع كلمة تشجيع صادقة من القلب، وغالبًا ما نواجه مواقف يكون فيها التقليل من الآخر ردّ الفعل الأولي أمام أي نجاح أو إنجاز أو حتى طموح مشروع. وكأن التشجيع ترف لا نُجيده، أو فضيلة نمنحها بشروط، فيما النقد والتقليل والتشكيك تأتي عفوية وسريعة دون تردد. والسؤال هنا، ما الذي يجعل ثقافة التقليل شائعة، والتشجيع الحقيقي نادرًا؟ وهل نحن أمام أزمة ثقة بالذات تنعكس على الآخرين، أم أن الأمر أعمق من ذلك، متجذّر في التربية والمجتمع وعلاقات القوة السائدة؟



لغة تُزرع في الطفولة


منذ الصغر، يسمع الطفل عبارات مثل "مش قدّها"، "إنت بعدك صغير"، أو "مين إنت لتعمل هيك؟"، فتترسّخ فيه معادلة ضمنية: الطموح = غرور، والنجاح = تهديد. وغالبًا ما يُقابل تميّز الأطفال بالمقارنة مع غيرهم أو بتقليل من قيمتهم، بدل التشجيع على التطور أو البناء على نقاط القوة. فكم سمعنا من الأهل من يقول لأحد أبنائه "بشو أخوك أشطر منك؟".

هذه التربية لا تكبح الطموح فقط، بل تبني في الشخصية خوفًا من ردود الفعل السلبية عند كل محاولة للظهور أو التقدم. وهكذا، عندما يكبر هذا الطفل، قد يجد نفسه مبرمجًا لا على أن يشجع، بل على أن يقلّل من قيمة غيره، كرد فعل دفاعي أو من باب العادة.



النجاح كمرآة مؤذية


كثيرًا ما يُفهم نجاح الآخر وكأنه فشل شخصي لنا. في بيئات التنافس غير الصحي، يُنظر إلى تقدّم الآخر على أنه تهديد للمكانة الذاتية. فنرى من يقلل من إنجاز زميله أو يحطّ من قيمة مشروع صديق، لا لأنه سيئ فعلًا، بل لأن نجاحه يعكس إحباطًا داخليًا غير معترف به.



وغالبًا ما يأتي هذا التقليل في عبارات مموّهة:

– "منيح بس مش واو"

– "معقول حدا يعمله بهالسهولة؟"

– "أكيد حدا ساعده"

– "إنت بتعرف تلعبها صحّ، مش أكتر".

هي كلمات لا تعبّر عن رأي نقدي حقيقي، بل تحاول سحب البساط من تحت الإنجاز، وتفريغه من قيمته.



الخوف من التواضع؟


المفارقة أن الكثيرين لا يملكون الشجاعة للاعتراف بأن الآخر أبدع أو تقدّم أو غامر ونجح، لأن ذلك يتطلّب تواضعًا. والتواضع فضيلة يصعب ممارستها في بيئات قائمة على التباهي والاستعراض. الاعتراف بتميّز الآخر قد يُشعر البعض بالنقص، بدل أن يكون دافعًا للتعلّم منه أو التشبه به.


الإعلام والمشاهير... صورة مضلّلة


تلعب وسائل الإعلام والسوشال ميديا دورًا في تعزيز ثقافة الحسد الناعم. حين يرى الناس المشاهير أو الناجحين يحتفون ويتم تسليط الضوء عليهم، يعلو صوت الانتقاد غير المنطقي بدل التقدير. فيُصبح نجاح الآخر أمرًا يجب التشكيك فيه أو تسخيفه، لأن الصورة العامة تشجّع على الصعود بالدهاء لا بالاستحقاق.



هل من مخرج؟


نحتاج إلى ثورة تربوية وثقافية تعيد الاعتبار لقيمة التشجيع. أن نشجّع الآخر لا يعني أن نتنازل عن مكانتنا، بل أن نرتقي بها. فالقلوب الكبيرة تعرف أن النجاح يُضاعف حين يُشارك، وأن الكلمات الطيبة تُنبت ثقة، وتفتح أبواب الإبداع. ولعلّ البداية تكمن في أن نراقب كلماتنا. أن نمتنع عن السخرية التي تخفي غيرة، وعن التقليل الذي يموّه شعورًا بالنقص. فأن تقول لشخص: "أحسنت" أو "أنا فخور بك"، قد تغيّر يومه… وربما مستقبله.