قبل 13 نيسان 1975 دخل لبنان مدار الأجواء السياسيّة والعسكريّة المشحونة التي استمرّت تعتمل حتى كان الانفجار الكبير صباح ذلك الأحد في عين الرمّانة. كثيرون من العاملين في مجال الصحافة والإعلام عايشوا تلك المرحلة، ومنهم من دوّن تجربته أو على الأقل مشاهداته وتركها وثيقة للتاريخ في عهدة الرأي العام، فكانت كتب وإصدارات تروي فصولاً من الحرب الداخليّة والخارجيّة على الساحة اللبنانيّة. واحد من تلك الكتب وضعته الصحافية ميّ ضاهر يعقوب، تحت عنوان "صحافيّة بثياب الميدان - فصول من حرب لبنان"، وصدر عن "دار سائر المشرق"، ومنه ننشر فصلاً تروي فيه يعقوب بداية الحرب كما عاشتها.
حادث عين الرمانة الشهير الذي أودى بحياة 26 فلسطينيّاً داخل أوتوبيس، وشخصَين من "حزب الكتائب" قبل ساعات من مرور الأوتوبيس في عملية اصطدام مفتعلة، أطلقت الغرائز المتوحّشة لدى المتخاصمين في البلاد إلى أقصاها، وكان ما كان من معارك مسلّحة في بيروت أحصيناها بثلاث جولات في ربيع تلك السنة، وتوقّفت في الصيف لتنفجر ثانيةً في أواخره كالنّار في الهشيم في أنحاء البلاد مُحرقة الأخضر واليابس ومُقتلعة آلاف الناس الآمنين من قراهم وبيوتهم وأعمالهم.
مرارة الرئيس
كنتُ في ذلك اليوم المشؤوم في "مستشفى الجامعة الأميركية" أغطّي أخبار رئيس الجمهورية سليمان فرنجية الذي أُجريت له عملية جراحية للمرارة في اليوم السابق. كان الصالون الخاص في المستشفى وأروقته يغصّان بالمهنّئين بسلامة الرئيس من سياسيين وأنصار. وكانت هي المرّة الأولى في حياتي المهنية ألتقي فيها هذا العدد الكبير من رجال السياسة من وزراء ونواب ورؤساء أحزاب وزعامات لبنانية وفلسطينية وسورية وديبلوماسيين يتحرّكون في مكانٍ واحد كأنهم أهل وأحباب. لم أكن أدري أنّ هؤلاء جميعهم سيمزّقون البلاد إرباً إرباً بالروح وبالدم ليأخذ كلّ واحدٍ حصّته من قالب الجبنة الكبير له ولأولاده وأولاد أولاده من بعده. كنتُ لا أزال في بداية مسيرتي داخل جروح الوطن والطريق أمامي طويل لأشهد على الكثير من هذا التمزيق الصارخ للأجساد وللضلوع وللضمائر الحاضرة والغائبة. أذكر فقط أنّ حاشية الرئيس كانت تعلّق على العلاقة المتوتّرة بينه وبين رئيس الحكومة في حينه السيّد رشيد الصلح بالقول إنّ الصلح "طقّ له مرارته"!
البحث عن الأسباب
في مرحلة الهدوء بعد الجولات الدّموية الأولى في البلاد ارتأت رئاسة التحرير، والأرجح أنها كانت تعليمات الأستاذ غسّان تويني، أن يتمّ الإعداد لسلسلة تحقيقات عن الأحياء الشعبية الفقيرة في بيروت في إطار البحث عن أسباب المعارك الدموية في البلاد وكون المقاتلين من هذه الأحياء. وهل كانت أسباب الحرب اجتماعية واقتصادية في الأساس، دونما النظر إلى الوجود الفلسطيني المسلّح في البلاد أو إلى الصراع الطائفي لتحقيق مكاسب في السلطة؟
في عدد 1975/6/14 تحقيقٌ لي على امتداد صفحةٍ ونصف الصفحة مع صور كبيرة عن منطقة النبعة في الضاحية الشرقية لبيروت حملت عنواناً كبيراً: "تكساس لبنان".
جاء في مقدّمة الموضوع:
"الحوادث الأخيرة التي مرّت بلبنان كشفت مجاهل جديدة بلغ فيها تردّي الظروف الحياتية حدّاً تسبّب بسلسلة انفجارات وظواهر مؤلمة بعضها سُمّي النبعة وبعضها سُمّي الكرنتينا والمسلخ... والنبعة خصوصاً احتلّت المرتبة المتقدّمة في الحوادث وقيل إنّ الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.
النبعة تقع بين برج حمود وسن الفيل، يقيم فيها نحو 100 ألف نسمة "فقّسوا" فجأة! والسؤال في النبعة يضيع كما يضيع الإنسان الذي يدخل أزقّتها خطّأً ولا يعود يعرف من أين يخرج. الصور تتلاحق أمامه: مئات الأطفال يتراكضون من زاروب إلى آخر، بعضهم يمارس لعبة الحرب المفضّلة وبعضهم الآخر يحمل كتبه ويمشي. الباعة لا يرتاحون إلّا بالتبسيط وسط الطريق والمناداة على بضائعهم التي تراوح بين الخضر والفاكهة والثياب والأحذية، مروراً بالتبغ المهرّب المنتشر هناك بكثرة. لافتات وكتابات لا يخلو منها حائط في المنطقة وكلّها تماشي الأحداث وتدوّن "تاريخ" لبنان الحديث من "مؤتمر جنيف طريق الاستسلام" و"لا للحلّ السلمي" إلى "مع الصيّادين وكلّ الكادحين" و"لا لحكم الأربعة بالمئة". إنتهاءً طبعاً برفض الحكم العسكري والتمسّك بالديمقراطية وإدانة ميليشيا "الكتائب". إلى هذه الشعارات تتوزّع على الجدران دعوات للانتساب إلى فروع الأحزاب اليسارية داخل النبعة...
أذكر الآن أنّ حركةً مسلّحة قامت داخل النبعة في جولات الحرب الأولى حملت اسم "فتيان علي". وعندما ذهبتُ إلى النبعة وسألت عنها دلّني الناس هناك إلى شخصٍ قالوا إنه يعرف من هم "فتيان علي" وهو يحدّثني عنهم واسمه قاسم صفوان. في الريبورتاج حديث طويل مع قاسم صفوان عن تاريخ النبعة وعن الناس الأوائل الذين سكنوها من المهاجرين الأرمن ثم انتقالها إلى السكان الجدد الذين وصفهم صفوان في الريبورتاج بـ "الشعب الفقير النازح من الجنوب أو من بعلبك أو الهرمل". وتابع "أنا وعائلتي من آل صفوان من بعلبك والهرمل حضرنا إلى النبعة عام 1954 قصد العمل في المصانع القريبة". وأضاف: "السكان الجدد حملوا إليها خلافاتهم العشائرية والسياسية. الآتون من بعلبك نقلوا معهم الفكر القومي السوري والآتون من الجنوب جاؤوا بالفكر الشيوعي. وكانت المشاكل في الخمسينات لا تحصى ولا تعد وكانت النبعة في نظر الناس تكساس لبنانية، حيث لا وجود للسلطة، إلى أن طالبنا بمخفر وتعاونّا مع عناصره على حفظ الأمن".
فتيان علي
استمررت في الحديث مع السيّد صفوان حتى الوصول إلى معرفة من هم "فتيان علي"، وأخيراً قال:
"بعد حرب 1967 العربية الإسرائيلية أسّس جمعية "فتيان علي" المرحوم صلاح الخليل وعاونه أحمد صفوان، وعملا منها ميليشيا. من وين جابوا السلاح؟ ما بعرف. شو عملوا؟ ما بعرف. إنما "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" دمجهم مع "حركة المحرومين". وعندما قامت انتخابات في "المجلس الإسلامي الشيعي" أخرجوا أحمد صفوان وجعلوا اسم الفرقة العاملة في الحركة "المجاهدين المستقّلين" وتخلّوا عن اسم "فتيان علي". وهنا عاد أحمد صفوان إلى قاعدته في النبعة وإلى آل صفوان. ونحن نعدّ نحو 200 شاب".
عن دور عائلة صفوان في الحوادث الأخيرة قال:
"إنه كان دوراً مترقباً في بداية الأمر ولكن عندما خطف شخص من عندنا اسمه علي صفوان يحمل بعض الأغراض والمواد الغذائية لأقاربنا في تل الزعتر، وهم من عائلة صفوان أيضاً، اضطررنا إلى خطف بعض الأفراد في المقابل ليردّوه لنا مع غيره ممن خُطفوا لاحقاً، ونحن لم نسئ معاملة أحد ولم نتعرّض لأحد ولم نخطف سوى شخصين بالعدد وأعدناهما في ما بعد ولكن كثرت حولنا الإشاعات وأنا كنتُ أتلقّى في كلّ لحظة عشرات المخابرات وتقول كلّها: أنتم "فتيان علي" هل خطفتم فلاناً أو فلاناً؟ والمفارقة المضحكة أننا عندما خطف من عندنا شخص واتصلنا بمختلف الفرقاء سائلين عنه كانوا يجيبوننا: هل سألتم "فتيان علي؟"".
العنوان المشكلة
حمل التحقيق عناوين جانبية كبيرة منها: "الناس يتناسلون كالفئران ونصف الأولاد في الأزقة". هذا العنوان تسبّب في يوم النشر بمشكلةٍ ما كادت تُحمد عقباها. وكان سكرتير التحرير في حينه الأستاذ إدمون صعب استخلص هذا العنوان من مقطع في المقابلة إلّا أنه لم ينسبه إلى قائله قاسم صفوان. وهنا نَصّ المقطع:
"هذا الوضع الاجتماعي المتردّي سهّل قيام "حركة المحرومين" في المنطقة. فالحرمان، قال صفوان، أحضره السكان معهم من مناطقهم المحرومة، وزاد حرمانهم في المدينة رؤية جيرانهم الأغنياء في البيوت الفخمة والسيارات اللامعة بينما هم يزدادون فقراً على فقر يوماً بعد يوم ويتناسلون كالفئران بسبب الجهل وعدم وجود برامج اجتماعية ترشدهم وتنشر الوعي بينهم".
العنوان الكبير عن "الناس يتناسلون كالفئران"، أغضب عدداً من أبناء النبعة الذين قرأوا التحقيق. وحضر إلى مبنى "النهار" في الحمراء نحو خمسة أو ستة أشخاص من قبضايات النبعة (من "فتيان علي" أو آل صفوان أو غيرهم لم أعرف) يسألون عن ميّ ضاهر. بدا هؤلاء أنهم قاصدون الشرّ من الطريقة التي تحدّثوا بها مع الحارس. ولحسن الحظ أنّ في تلك المرحلة كانت الطبقات التسع في "النهار" لا تكفي الصحافيين والعاملين في الجريدة، فكانت طبقة إضافية في مبنى خلفي لأمارس عملي مع غيري من الزملاء. وقبل أن يصل إليّ "القبضايات" الذين يريدون "أن يربّوني" تمّت اتصالات هاتفية سريعة تُهرّبني من المكتب وتهيّئ مَن يستقبل "الضيوف" ويحدّثهم بالحسنى. وهكذا كان.
