د. جوسلين البستاني

"التضليل يعمل مثل الكوكايين" يوري أندروبوف

4 دقائق للقراءة

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً مقطع فيديو لسيدة مغربية تتّهم فيه وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجّي، بالتحرش بها خلال فترة عمله كقائم بالأعمال في السفارة اللبنانية في المغرب عام 2014. وقد انتشر الفيديو بشكل واسع تحت وسم "الوزير المتحرّش"، ما أثار موجة من الجدل والتعليقات على المنصات الرقمية.



من جهته، أعرب الوزير يوسف رجّي عن استغرابه من توقيت إعادة تداول هذا الفيديو، مؤكداً أن الاتهامات لا تستند إلى أي أدلة جديدة، ولا أساس لها من الصحة. كما أشار إلى أن الحادثة قد أُثيرت سابقاً ولم تُتخذ بحقه أي إجراءات قانونية لعدم وجود إثباتات.



أما بالنسبة للجهات أو الأفراد الذين روّجوا لهذه القضية، فلم تُعرف هويتهم بشكل واضح، ولم تتوفّر معلومات دقيقة حول خلفيات إعادة نشر الفيديو. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن توقيت إعادة إثارة هذه القضية، بعد أكثر من ثماني سنوات على وقوعها المفترَضة، قد لا يكون بريئاً، وقد يحمل أبعاداً سياسية. وسائل إعلام لبنانية عدة رأت أن العودة إلى هذا الموضوع في عام 2025، من دون تقديم معطيات جديدة، تثير الشكوك حول نوايا من يقف وراء الحملة، وقد يكون له خلفيات غير واضحة، وربما سياسية.



لكن على عكس ما تم تداوله بشأن غموض خلفيات إعادة إثارة القضية ضد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، فإن السياق السياسي الذي تقف خلفه هذه الحملة يبدو واضحاً تماماً، ويندرج ضمن ما يُعرف بـ"التدابير الفعّالة" (Active Measures) . هذه التدابير، التي تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية، وتواصل استخدامها من قبل أجهزة الاستخبارات الروسية حتى اليوم، تشمل عمليات تأثير سرّية أو شبه سرّية تهدف إلى التأثير المباشر في السياسات والرأي العام داخل المجتمعات المستهدفة. ويُعد التضليل الإعلامي أحد أبرز أدوات هذه العمليات.



في هذا الإطار، تشير المعطيات إلى أن المواقع التي أعادت الترويج لهذه الاتهامات ضد الوزير رجّي، هي منصات إعلامية تابعة لـ "حزب الله" أو محسوبة عليه، وهي جزء من أدوات الحرب الهجينة التي يستخدمها "الحزب" ضد معارضيه، خصوصاً من خلال حملات التضليل الإعلامي الممنهجة. وتُستخدم "التدابير الفعّالة" كوسيلة لإعادة تشكيل السرديات المجتمعية، عبر تعزيز الانقسام، وتغيير الخطاب العام، وترويج روايات تصب في مصلحة "محور الممانعة"، بالإضافة إلى زرع الشكوك داخل الأوساط المعارضة وتشويه سمعة قادتها.



بالتالي، فإن استهداف الوزير رجّي في هذا التوقيت ليس مجرد مصادفة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض خصوم "حزب الله"، والتأثير في الرأي العام من خلال تسريب أو إعادة تدوير معلومات قديمة ضمن سردية مُحكمة تندرج تحت إطار الصراع السياسي العميق الذي تشهده الساحة اللبنانية.



تحليل "التدابير الفعّالة" يتطلّب مقاربة متعدّدة التخصصات، تأخذ بالاعتبار تداخل السياقات الأمنية، السياسية، الإعلامية والنفسية. فهذه الأدوات ليست فقط آليات صلبة ضمن تقنيات العمل الاستخباراتي، بل أدوات مرنة تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع الإدراكي لدى الجمهور المستهدف.

من أبرز الأطر المفاهيمية ذات الصلة: نظرية الثقافة الاستراتيجية التي تفترض أن سلوك الجماعات السياسية، بما فيها التنظيمات المسلحة، يتأثر بموروثها الأيديولوجي والتاريخي، ويُترجم في تكتيكات وسلوكيات متكرّرة. في حالة "حزب الله"، نجد أن الحرب النفسية و"التدابير الفعّالة" ليست مجرد أدوات طارئة، بل هي جزء من ثقافة استراتيجية تتجذّر في تكتيكات غير متماثلة، تتجنب المواجهة المباشرة وتراهن على التأثير والتخريب المعنوي. إضافة إلى الدراسات الاستخباراتية التي تركّز على كيفية بناء حملات التضليل، وأخيراً الحرب النفسية.



في لبنان، تأتي هذه الحملات غالباً كردّ فعل على تراجع نفوذ "حزب الله" وتصاعد النقد الموجّه إليه من قبل خصومه مثل "القوات اللبنانية"، التي غالباً ما تُتّهم بأنها "تسوّق للرؤية الأميركية – الإسرائيلية"، في مقابل "حزب الله" الذي يصوّر نفسه راعياً للاستقرار والعهد.


وأخيرًا كما قال يوري أندروبوف رئيس الاستخبارات السوفياتية السابق: "التضليل يعمل كالكوكايين، إذا كنت تستخدمه يومياً ستُصبح مُدمناً".

وهنا لا عجب أن يصبح إعلام "الممانعة" أداة مثقلة بالتكرار والإدمان على التلاعب، الأمر الذي أفقده الابتكار وجعل خطابه مملاً.