في كتابه "النشرة الكاملة" الذي صدر بعد رحيله في العام الماضي، يعلّق الإعلامي اللامع الأستاذ كميل منسى بأسلوبه الموجز والمركّز على عبارة "أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم"، بأنها "لا تزال تتردد حتى يومنا هذا. ولكن أُُعطينا السلام أكثر من مرة من غير أن ندهش العالم، وتصرّفنا على عكس ما وعدنا به" (صفحة 198).
رحمه الله، فلقد أوحت ملاحظته هذه بالمقالة الحاضرة في وقت يكثر فيه الحديث عن السلام الأميركي الذي يُطبخ للبنان والفرص الوافرة التي تنتظر البلد في حال تحقيقه، فيما يتلّقى جزء من اللبنانيين تلك الكلمة بحساسية ويقابلها بتمنّع جاهز ينبع من أفكار مسبقة.
نسارع بالتنويه بأن السلام من حيث الصورة الكبرى بشتى أطرها وأبعادها، خاصة في ما يتعلق بحدود الوطن وطبيعة علاقات لبنان بسائر الأمم على اختلافها، هو من اختصاص الدولة وعملها حصرياً. أما هذه المقالة فتتطرق إلى الموضوع من زاوية داخلية لبنانية صرف.
في العمق، يأتي السلام من التصالح، فهلمّ أيها اللبنانيون ندهش أنفسنا وبعضنا البعض بأن نتصالح ونتوافق بحق على ما يفيدنا جميعاً في حياتنا اليومية، وفي تأمين مستقبل زاهر لأولادنا ورؤية واعدة لأحفادنا. فإذا حققنا ذلك، فإننا سندهش العالم حتماً.
في طليعة هذا العمل، لنضع التكاذب المعهود جانباً ونسعى بجد للالتقاء على الحقائق التي تصب في مصلحتنا كمواطنين وفي مصلحة الوطن ككل، ومن ثم لنجهد بالعمل بموجبها.
بالحد الأدنى، المطلوب في ورشة "تسالمنا" هذه أن نكنّ الاحترام المتبادل لبعضنا البعض، فالمحبة الصادقة المتبادلة تتولد لاحقاً على الصعيد الشامل، لا مشكلة! وعلى هذه الأرضية الأساس لنرفع بناء سلامنا الداخلي على الأعمدة الرئيسة التالية:
اولاً: التوقف عن التدمير العبثي للبلد. لقد ثبت خلال السنوات الخمسين الماضية، أي منذ 1975، أن لا أحد "بيّو" أقوى من "بيّ" الآخر! لا بل أثبت التاريخ بأن من تمنطق بالقوة والامتيازات انتهى بجلب الويل والثبور وعظائم الأمور على نفسه وعلى البلد بأكمله.
سنوات الازدهار التي شهدناها لم تكن سوى فترات من "الوقت المستقطع"، بين دورة من العنف أو الأزمات المستعصية ودورة أخرى منها. والسؤال هنا يطرح نفسه: إذا كنا قد عرفنا نعيم تلك المراحل "الرايقة"، فلمَ لا نفكر بأن نجعله مستداماً وأن ننعم بالتالي بذلك الاستقرار الذي يسمح لنا بالتخطيط للمستقبل بكل قناعة وثقة، مثلما هو حال أقراننا في الدول المتقدمة ذات الثبات الطويل المدى؟
لن يختلف عاقلان في القول إن هذا ما يشكّل حافزاً مهماً لكي نراجع أنفسنا ونصحّح من الآن وصاعداً أنماط التعامل بيننا.
ثانياً: اغتنام اللحظة، وهنا بيت القصيد! في اللحظة الحالية فإن هناك، كما أسلفنا، من يقدّم لنا السلام. سواء أحببنا ذلك المعطي أو لا، فلنتلقّف الفرصة ونصيغ منها الأفضل لبلدنا.
وبغض النظر إذا كان السلام المعروض ليس بالأمثل بنظر الكثيرين، فالأجدى لنا جميعاً أن نتحلى بالحكمة المعروفة بأن يستخرج المرء أفضل الممكن، من أية مجموعة ظروف يجد نفسه فيها ولو كانت غير كاملة! إذا حققنا ذلك، فإننا بلا شك سندهش أنفسنا وبعضنا البعض، وسندهش العالم تالياً.
وفي هذا المجال، لا تزال "الأعجوبة الألمانية" وأختها اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية ماثلة للعيان، فضلاً عن القفزات التنموية المدهشة في التاريخ الأحدث لبلدان "نمور آسيا"، ومنها سنغافورة وكوريا الجنوبية. أفليست هذه أمثلة يحتذى بها؟
إن ما تدعونا اللحظة الآنية للتفكير به ملياً واستشراف أبعاده هو ما سيوفّره الهدوء المقدّر له جنوباً وشمالاً وشرقاً، من مناخ إيجابي في البلد سيتيح للحركة الاقتصادية بالإقلاع من جديد، بفعل قوة اندفاع لا يستهان بها ستوفّرها عودة الثقة بلبنان لدى المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب. أيهما الأفضل، أن نظل قابعين في القعر الذي نحن فيه، أم نتوكل على الله وعلى أنفسنا لانتشال أنفسنا منه؟
مع الإصلاحات التي تنوي الدولة الجديدة تنفيذها على كل الصعد سيكون لدينا إمكانيات حقيقية لخلق فرص عمل جدية للمواطنين ولرفع الحد الأدنى للأجور، فضلاً عن إرساء شبكة أمان إجتماعي مُرتجاة منذ زمن، وتُعنى في المقام الأول بالمرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والظروف المتعثرة في مجتمعنا.
ثالثاً: خلق دينامية نشطة. ستجتمع كل تلك الظروف البنّاءة لتخلق تآزراً فعّالاً بين مختلف قوى الإنتاج سرعان ما سيكبر تأثيره مثل كرة الثلج، لتشمل منافعه الأوضاع التعليمية والصحية والبيئية والسياحية والعمرانية والمالية والنقدية، وكل ما يخص البنى التحتية للبلد بأكمله والتي لا تمت للقرن الواحد والعشرين بصلة.
وما لا يجعل هذا الطرح طوباوياً، هو أن الطاقات الخلاّقة المختزنة والمختبرة لدى اللبنانيين كفيلة بأن يسترجع لبنان وبسرعة مكانته السابقة بين الأمم، وأن يغري أدمغته المهاجرة بالعودة، وأن يقنع شبابه وشاباته بالمكوث فيه، إذ سيكون أفق العمل فيه بكل إنصاف وكرامة وتقدّم واضحاً ومشجعاً لهم.
بالمحصلة، فإن لمسار السلام الداخلي هذا القدرة بأن يرفد عملية السلام الإقليمية المعروضة على الدولة، وأن يقوّي قدرتها التفاوضية لما فيه مصلحة الوطن والمواطنين أجمعين.
ختاماً، إلى إخواننا في الوطن الذين تنتابهم الريبة من كلمة "سلام" وما سيجنيه البلد بالنتيجة، فيتخذون مواقف سلبية قد تصيب انطلاق المسار الداخلي للعملية، رجاءً التفكّر والتبصّر بما أورده الراحل كميل منسى في كتابه ذاته، ضمن سرد وقائع لقائه ببطل استقلال تونس الرئيس حبيب بورقيبة في عام 1966.
فهو كتب قائلاً: "... سألته عن الوضع العربي والقضية الفلسطينية. تجهّم وجهه ووقف محتداً وهو يهاجم العرب لعدم مواجهتهم الواقع، ولا سيما منهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي رأى أنه لا يريد الاعتراف بتفوّق إسرائيل على العرب عسكرياً، بفضل دعم الولايات المتحدة لها. فبدل رفض مجمل الاقتراحات التي تُعرض على العرب لبناء سلام في المنطقة، عليه أن يقبل بالبنود المناسبة وأن يستمر في المطالبة بالمزيد. رفع بورقيبة شعار "خذ وطالب" بدل "كل شيء أو لا شيء" ..." (ص. 260 و 261). خُوّن بورقيبة تخويناً شنيعاً في تلك الحقبة، لكن هل هناك أي شك من أن التاريخ لم ينصف طرحه الواقعي؟
في الخلاصة، تعالوا إلى كلمة سواء نصلح فيها ما بأنفسنا، ونأخذ ثم نظل نطالب بما تبقى من حقوقنا، ونكسب الاحترام والتحبّب بالإيفاء بما وعدنا به. حينئذٍ لا مناص من أن ندهش أنفسنا وبعضنا بعضاً والعالم أجمع.
*صاحب رأي سيادي مستقل