في ذكرى اندلاع الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975، أستعيد ذكرى فيلمَين اثنَين تحديداً: "وست بيروت" لزياد الدويري، و "دفاتر مايا Memory Box" للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج، كان لهما الوقع الأكبر في نفسي ونفوس كثيرين من اللبنانيين الذين عايشوا تلك المرحلة، أو استعادوها بفضل ذاكرة السينما.
وست بيروت
"وست بيروت West Beirut" الذي اعتُبر واحداً من أهم 100 فيلم في تاريخ السينما العربية، وحصد جوائز عالمية مثل "جائزة فرانسوا شاليه" في "مهرجان كان السينمائي" عام 1998، هو من دون أدنى شك "الفيلم الأيقونة" بالنسبة لكافة اللبنانيين وخصوصاً لجيل ما بعد الحرب الذي تعرّف إليها من خلال معايشات زياد الدويري يوم كان فتى صغيراً عند اندلاعها.
زياد سافر في العشرين من عمره إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة السينما في "جامعة سان دييغو" وعمل كمساعد تصوير وكمصوّر في لوس أنجلوس من العام 1987 وحتى 1997 على عدد من الأفلام منها أربعة من أهم أفلام المخرج الشهير كوانتن تارانتينو هي "From Dusk till Dawn" و "Reservoir Dogs" في العام 1998 و "Pulp Fiction" في العام 2004 و "Jackie Brown" في العام 2007.
وعلى رغم المجال المفتوح في عاصمة السينما العالمية، عاد الى لبنان في العام 1998 ليقدّم أول فيلم من كتابته وإخراجه "West Beirut". ذاكرة الانسان تطارده، وذاكرة زياد مدموغة بذاكرة الحرب التي اندلعت خلال مراهقته، هو الذي ولد في بيروت عام 1963 وعايش الحرب التي تركت بصماتها على طفولته وحرّضته على حمل كاميرته الـ 8 ملم وتصوير انطباعاته حولها.
في الفيلم هو طارق (قدّم الدَّور شقيقه رامي دويري) الذي يدرس في المدرسة الفرنسية في بيروت، ويصنع أفلاماً مع صديقه عمر (محمد شماس). في بداية الحرب تغلق المدارس ويعمّ العنف شوارع بيروت، ويصبح التنقل بين البيروتَين مخاطرة. والدة طارق (كارمن لبس) تريد السفر خارج البلاد، لكنّ والده (جوزف بو نصار) يرفض. طارق يمضي يومه مع عمر ومي المسيحية (رولا الأمين) التي انتقلت للإقامة في بنايته. معاً سيقطعون خطوط التماس باتجاه "بيروت الشرقية" لتظهير فيلم قاموا بتصويره وليقابلوا أم وليد صاحبة الماخور التي لطاما سمع طارق عنها…
ماخور أم وليد، وكيف لي أن أنسى هذا المشهد تحديداً الذي له مكانة خاصة في نفسي وقلبي، خصوصاً أنني رافقت زياد وفريقه من ممثلين وتقنيين خلال تصويره في بيروت، ودخلت كواليس العالم السينمائي، في تغطية خاصة لملحق "الدليل" من "النهار". أم وليد (ليلى كرم) كانت محاطة بـ "فتياتها"، والموسيقى تصدح، والماخور بإضاءته الحمراء تمّ تصويره في مكان ما قريب من منطقة الجميّزة على ما أذكر. وإليه دخلت أنا بعينين مبهورتين، برفقة طارق وعمر اللذين رغبا بمقابلة أم وليد وعالمها السحري بمفهوم مراهقتهما.
زياد دويري الذي عاد الى لبنان ليقدّم تحية لبيروت وشهادة عن حرب أرهقتها مع أول أفلامه، عاد مجدّداً وتكراراً الى عاصمتنا، وعبر خطوط تماس جديدة لم تنقصه الجرأة على اجتيازها، ليرفع اسم وطنه الأم عالياً في كافة المهرجانات السينمائية العالمية، وليحمل لبنان إلى المشاركة الأولى له في الحفل السينمائي الأضخم والأهم والأشهر عالمياً، الأوسكار، من خلال فيلم "قضية رقم 23 The Insult".
دفاتر مايا
الفيلم الثاني "دفاتر مايا Memory Box" الذي سبق أن شارك في مهرجانات كثيرة، وفاز بجوائز مهمة مثل "جائزة سعد الدين وهبة" لأحسن فيلم في "آفاق السينما العربية" بـ "مهرجان القاهرة"، وحصد تصفيقاً لأكثر من 10 دقائق متواصلة بعد انتهاء عرضه في "مهرجان البحر الأحمر". والاهم أنه نجح في المشاركة في المسابقة الرسمية لـ "مهرجان برلين" سنة 2021، بعد غياب 30 عاماً للبنان عن هذا المهرجان العريق. وبذلك يكون قد حقّق مفارقة سعيدة وغريبة في الوقت عينه، فهو يعيدنا إلى بداية الثمانينات، أي إلى حقبة آخر مشاركة للبنان في هذا المهرجان سنة 1982، من خلال فيلم "بيروت اللقاء" للمخرج الراحل برهان علوية.
حقبة الثمانينات! إنها حقبة الحرب والقصف والمعابر ووقف إطلاق النار و"تشتكتشتك تشتك... مكتب التحرير في خبر جديد". إنها فترة مراهقة كثيرين منا، وإصرارنا على الذهاب إلى المدرسة رغم النوم في الملجأ. هي حقبة رغبتنا في عيش الحياة واختبار الحب والسهر والرقص على إيقاع أغنيات كيم وايلد وبلوندي وفرق موسيقية مثل "كيلينغ جوك" و "زيك زيك سبوتنيك" وأغنيات مثل Love Missile F1" 11" و "Love Like Blood" كانت تحقق نجاحات كاسحة في العالم وفي لبنان السابق لعصره رغم الحرب.
حقبة الثمانينات هي أيضاً حقبة مجهولة بالنسبة لأولادنا الذين من كثرة ما حسدناهم على عدم عيش ما عشناه في السابق، عاشوا اليوم أقسى منه بأشواط. لنا ولذاكرتنا وهويتنا وحزننا وفرحنا ودموعنا وضحكاتنا وجراحنا وخيباتنا، وخصوصاً لأولادنا ولابنتهما، قرّر الزوجان السينمائيان اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج "فلفشة" دفاتر الماضي، وإعادة سرده وحفظه بواقعية وخيال وصور واغنيات وألوان ومؤثرات وأسلوب ساحر بجماليته ولغته السينمائية.
ينطلق الفيلم من مونتريال، عشية عيد الميلاد قبل عامين، عندما يصل الى يد أليكس (بالوما فوتييه) صندوق ضخم. الصندوق مُرسل إلى أمها مايا (ريم تركي). ما إن ترى الجدة (كليمانس صباغ) الصندوق، ستقرر إخفاءه عن ابنتها مايا. ولكن مايا ستراه وتصمت وأمها ستصاب بالذعر. أما أليكس المراهقة التي لا تعرف شيئاً عن ماضي والدتها في لبنان، فستشعر بفضول كبير وتقرر فتح الصندوق. كمّ هائل من الدفاتر والتذكارات والأفلام والصور وشرائط الكاسيت من سنوات مراهقة مايا (تؤدي دورها منال عيسى) خلال حقبة الثمانينات في بيروت، ستكون أشبه بصندوق الفرجة بالنسبة إلى المراهقة. هذه المراسلات اعتادت مايا أن تتبادلها مع صديقتها الحميمة ليزا (ريم خوري) التي سافرت خلال الحرب إلى فرنسا مع أهلها.
واليوم عادت اليها هذه المراسلات بعد وفاة ليزا في حادث سيارة مفاجئ. و... أهلاً بكم في حقبة الثمانينات التي يعيدنا إليها الفيلم والصندوق معاً. من خلال مراسلات الفتاتين بين بيروت وباريس، سنتعرّف نحن وأليكس على زمن "بشع" بسبب الحرب، "جميل" بسبب شغف فتيات مراهقات بالحياة والحب والموسيقى والتمسّك بالأحلام. سنغطس نحن وأليكس في بحر من السرد الممتع، أمواجه مدّ من الصور والاشرطة المسجلة والمقتنيات والدفاتر والكتابات والأغنيات التي ترمز إلى ذلك الزمن. من خلال هذه الرحلة الحافلة بالألوان والمؤثّرات (الرائجة في تلك الفترة) سنتعرّف إلى مايا ومزاجها ويومياتها وسط حرب عبثية، وعشقها الأول لشاب ينتمي الى أحد الأحزاب، وشغفها بعيش هذا الحب والتحايل على الموت والقصف والقنابل من خلال سهرة ومشوار وأغنية ورسالة، وصولاً إلى مأساة عائلية أجبرت مايا وأمها على الهجرة الى كندا...
ممتع هذا الشريط الشبيه بخلطة سحرية من التقنيات والأدوات والمؤثرات. نوستالجي كألبوم ديكو-درامي واقعي وخيالي في الوقت نفسه، نفلفش (بكثير من السلاسة والعفوية والوجع والسحر) صوره السمعية البصرية الكاريكاتورية المأسوية الرومانسية، المقدمة بعفوية وبساطة بعيدة عن الفذلكة، وكأننا نشاهدها بعيون عمر مراهقة تؤرشف زمناً من خيبات الحياة وأفراحها.
واللافت أنّ الفيلم قائم على مراسلات وصور وشرائط ومقتنيات حقيقية لمخرجة الفيلم جوانا حاجي توما كانت قد تبادلتها مع صديقة لها خلال الحرب وعلى مدى 6 أعوام. وبالصدفة وبعد مرور 30 عاماً، وقعت عليها جوانا، فشكلت هذه المراسلات رغبة قوية لدى الثنائي جريج وحاجي توما بصناعة فيلم يعيد نقل مرحلة الثمانينات لابنتهما المراهقة عليا ولكافة أبناء جيلها. ولكن الشريط ليس سيرة ذاتية للثنائي، فهو بدأ من مراسلات حقيقة، ثم انطلق راسماً قصص وأقدار شخصيات عديدة، قد تكون حقيقية أو وهمية، لا يهم، فالأهم أنه عالج ما شعر به واختبره كثيرون من اللبنانيين خلال تلك المرحلة، من خوف وضياع ومنفى وصولاً إلى المصالحة مع الماضي والمآسي والذاكرة.
نعم، ينتهي هذا الفيلم الحسّاس والنوستالجي والملهم بكثير من الأمل. أمل غير متوقع، تماماً مثل معالجة حقبة الحرب بأسلوب غير متوقع ولا يشبه أفلام الحروب التقليدية أبداً. أمل بإمكانية أن يتصالح المرء مع ماضيه وتاريخه، فيتخطاه من دون أن ينساه.