يواجه لبنان منذ سنوات أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، ورغم تعهّد الحكومات المتعاقبة بالإصلاح، بقيت تلك الوعود رهينة التوازنات الداخلية، وسط ضعف استقلالية القرار السياسي أمام النخب الطائفية ونفوذ "حزب الله".
منذ عام 2005، ومع انسحاب الجيش السوري، شهد لبنان تصاعداً في نفوذ "حزب الله" ضمن المؤسسات السياسية والاقتصادية. وقد أثّر هذا الواقع على مسار الإصلاحات، إذ ساهم "حزب الله" من خلال فرض موازين قوى داخلية، في إبطاء أو تعطيل عدد من المبادرات الإصلاحية، لا سيما تلك المرتبطة باتفاقيات دعم دولية مشروطة. كما استفاد من أدوات الدولة لتعزيز نفوذه الاجتماعي والاقتصادي.
من أبرز الآليات التي وظّفها "حزب الله" للتأثير على مسار الإصلاحات، النفوذ السياسي المتمثّل بحضوره الفاعل في السلطتين التشريعية والتنفيذية، إضافة إلى تحالفاته مع قوى سياسية أخرى مثل "حركة أمل" و"التيّار الوطني الحرّ". وقد أتاح له هذا الموقع امتلاك قدرة غير مباشرة على تعطيل أو تعديل القرارات الجوهرية، لا سيما تلك المرتبطة ببرامج الإصلاح الاقتصادي التي اقترحها صندوق النقد الدولي، مثل خفض نفقات القطاع العام، وذلك انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بتأثير هذه الإجراءات على البيئة الإجتماعية والسياسية التي يتحرّك ضمنها.
شكّل "حزب الله" عنصراً محورياً في تكريس منطق الزبائنية ضمن الاقتصاد اللبناني، مستفيداً من البنية الطائفية التي تُغذّي المحسوبيات وتُقوّض آليات الحوكمة الرشيدة. وقد واجه بحذر المبادرات الإصلاحية التي استهدفت مكافحة الفساد أو كسر الاحتكارات، بالنظر إلى تأثيرها المُحتمل على نفوذه ضمن البيئات التي يخدمها من خلال منظومات خدماتية موازية للدولة. في المقابل، أبدى "حزب الله" تحفّظاً تجاه الإصلاحات التي قد تفتح المجال أمام رقابة دولية موسّعة أو تُفسَّر كتمهيد لنزع سلاحه، وهو ما عزّز مناخ عدم الثقة لدى المانحين الدوليين، لا سيّما في الخليج والدول الغربية. كما اتّسمت مشاركته في الحكومات بحالات من التعطيل المؤسسي، لا سيما عندما ارتبطت السياسات المُقترحة بمخاطر مُحتملة على مصالحه الاستراتيجية.
في ما يتعلّق بالإصلاحات التي اشترطها صندوق النقد الدولي، تحديداً تلك المُتّصلة بقانون السرّية المصرفية، فالتعديلات التي أُدخلت على القانون في تموز 2022، بقيت محدودة الأثر ولم تستوفِ المعايير الدولية المطلوبة، نتيجة غياب آليات رقابة فعّالة تُتيح النفاذ إلى البيانات المصرفية لأغراض التحقيق والمساءلة. ورغم عدم قيام "حزب الله" بعرقلة مباشرة لهذه التعديلات، إلا أنّه دعم مسارات برلمانية ساهمت في الحدّ من فعالية القانون، حمايةً لمصالح أطراف متحالفة معه.
أما في ما خصّ إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فقد ساهم "حزب الله" في تأخير اتخاذ قرارات جوهرية في هذا الشأن، مدفوعاً بمخاوف تتعلّق بالتداعيات الاجتماعية المُحتملة على بيئته. ولم يطرح خطة بديلة لمعالجة الفجوة المالية، مُكتفياً برفض صريح لأي تحميل للمودعين. أما بالنسبة لإصلاح النظام النقدي وتوحيد أسعار الصرف، فقد غاب عنه الاهتمام الفعلي، على الأرجح تجنّباً لتأثيرات مُحتملة على قدرته في الوصول إلى العملات الأجنبية.
أخيراً، بالنسبة لإقرار الميزانيات والشفافية المالية، فغالباً ما كانت تُعتمد الميزانيات بشكل مُتأخّر وغير دقيق، بينما كان "حزب الله" مُستمرّاً باستخدام الوزارات والعقود العامة لتعزيز نفوذه، مع معارضة تقليص الدعم من دون بدائل اجتماعية خاصة للمناطق التي كان مُسيطراً عليها.
ينبع دور "حزب الله" في عرقلة الإصلاحات الاقتصادية من سعيه لحماية نفوذه والحفاظ على شبكاته الاجتماعية والطائفية. وعلى الرغم من أنه ليس المسؤول الوحيد عن الانهيار، حيث ساهم الفساد والطائفية وسوء الإدارة بدور كبير، إلا أن تأثيره السياسي وارتباطه الإقليمي جعلا من الإصلاح مُهمّة مُعقّدة.
بالتالي، من الضروري التمييز بين مواقف "حزب الله" العلنية وسلوكياته الفعلية، في ظل التوازنات اللبنانية الهشّة. ويبقى السؤال المطروح: هل ستتمكّن الحكومة من تحقيق الإصلاحات؟ إذ إن نجاحها في ذلك سيُشكّل معياراً جوهرياً لتراجع نفوذ "حزب الله"، إلى جانب المسألة المِحورية المُتعلقة بسلاحه. فاستعداد "حزب الله" الأخير لمناقشة مستقبل السلاح مع رئاسة الجمهورية اعتُبر خطوة إيجابية. إلا أنه يُذكّرنا بموقف مُماثل أعقب تظاهرة 14 آذار 2005، حين أعلن أمينه العام استعداده لفتح النقاش حول "الثوابت"، بما فيها السلاح، فأظهرت التجربة لاحقاً أن تلك الإشارات لا تعني بالضرورة تغيّراً في الموقف الجوهر.