المحامي امين عبد الكريم

طريقة عمل النيابات العامة والاصلاحات المطلوبة !

7 دقائق للقراءة

منذ حوالي الأسبوع سادت أجواء في أروقة العدلية والمحاكم عن ان موعد صدور التشكيلات القضائية التي طالَ انتظارها قد اقترب أكثر من أي وقت مضى وذلك عقب تعيين كل من القاضي جمال الحجار نائباً عاماً لدى محكمة التمييز بالأصالة والقاضي ايمن عويدات رئيساً لهيئة التفتيش القضائي، ما أعطى بعض الاشارات بأن كلمة سر ما قد مررت لاستكمال التعيينات في مجلس القضاء الأعلى. الا أنه يبدو أن هناك عقبات جمة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي قد يحول دون أن تُبصر التشكيلات القضائية النور في المدى المنظور.


وكالعادة وقبل صدور مرسوم التشكيلات، يبدأ الحديث في العدلية عن ضرورة أن تكون التشكيلات القضائية المنتظرة تلبي طموحات اللبنانيين والمتقاضين والاصلاحات المطلوبة عبر تعيين القاضي المناسب في المركز المناسب بعيداً عن أي حسابات سياسية أو طائفية أو مناطقية ضيقة، الأمر الذي من شأنه أن يعزز ثقة المواطن اللبناني بقضائه، كما يدفع المجتمع الدولي والمستثمر الأجنبي باتجاه استرجاع ثقتهما بالقضاء اللبناني.


وبسبب دورها المحوري في مكافحة الجريمة وكشف الشبكات المنظمة وتوقيف المرتكبين، لطالما رغِبَ العديد من القضاة بتبوُّء مركز نائب عام أو محامي عام في المناطق نظراً للدور الهام الذي تلعبهُ النيابة العامة. الا أن بعض الممارسات التي حصلت في الأعوام الماضية من قِبَل بعض قضاة النيابات العامة جعلت منها محط انتقاد، بحيثُ بات من الضروري مع انطلاقة عهد جديد معالجة تلك الشوائب ووضع حد لتلك الممارسات من خلال وضع معايير واضحة تصب في خانة الاصلاح القضائي.


و من بين الأمور التي حصلت والتي أدت الى زعزعة الثقة بالقضاء، هو اقدام بعض المحامين العامين على اعطاء اشارات قضائية في ملفات مالية حساسة وشائكة بالرغم من الطابع المدني للنزاع القائم، وذلك تحت طائلة توقيف المشكو منه في حال عدم تنفيذه لمضمون الاشارة القضائية، ما يضع الأخير أمام مصير واحد لا مفر منه، اما تنفيذ الاشارة كما هي واما توقيفه دون اعطائه الحق في الدفاع عن نفسه أمام محاكم الاساس على كافة مراحلها.


وبالرغم من وجود احتمال كبير بان تكون الاشارة القضائية قد ألحقت الضرر بالمشكو منه نتيجة عدم تمكن القاضي من الاطلاع بشكل كافي ووافي على تفاصيل الملف ولا على المستندات المضمومة اليه، سيما وأن قضاة النيابات العامة و في معظم الحالات يعطون اشاراتهم بالاستناد الى ما ينقله اليهم رتباء التحقيق أو الضابط المشرف على التحقيق في الفصيلة أو مركز التحقيق، و دون أن يتمكن أي طرف من سماع ما ينقله المحقق للقاضي، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يمكن أن يرافق تلك المرحلة من تجاوزات وتدخلات داخل المركز الامني على أنواعها.


ومن باب التفسير والتوضيح، نعطي بعض الأمثلة على بعض النزاعات التي لها الطابع المدني والتي من الممكن أن تلحق الضرر بالمشكو منه في حال تم الزامه بتنفيذ مضمون اشارة النيابة العامة تحت طائلة توقيفه:


- الزام المشكو منه تسديد مبلغ مالي للمدعي في مركز التحقيق قبل الادعاء عليه بالرغم من ان سبب الخلاف هو تجاري وناتج عن فض شراكة، وذلك قبل البت بالنزاع من قِبَل محاكم الاساس.


- اعطاء اشارة قضائية بالزام شركة ما على تغيير اسمها التجاري قبل الادعاء عليها وذلك بمجرد تقدم أحد المدعين بشكوى ضد الشركة بموضوع منافسة غير مشروعة أو مزاحمة احتيالية، دون ان تُعطى الشركة المدعى عليها المجال لتقديم دفاعها أمام محكمة الاساس.


- اخراج مستأجر من المأجور بسبب خلاف ناشئ مع المالك، بالرغم من أن هذا القرار يعود لقاضي الايجارات.


وما يجعل من تلك الاشارات خطيرة للغاية، هو أن قرارات النيابة العامة بطبيعتها هي قرارات ادارية -قضائية اي انها غير قابلة لأي من طرق الطعن العادية أو غير العادية، ما يجعلها ملزمة للمشكو منه تحت طائلة توقيفه ولو كانت الاشارة غير محقة في حال تم الفصل بأساس النزاع.


بالاضافة الى ما سبقَ، فان بعض الممارسات السابقة التي ليس لها أي معيار أعطت قضاة النيابة العامة هامش كبير من الاستنسابية، ما يجعل المواطنين غير متساوين في الحقوق وأمام القانون، ويفتح الباب أمام التدخلات السياسية والوساطات.


ومثالاً على ذلك، يمكن للمحامي العام أن يقبل بفتح محضر فوري لشاكي في الفصيلة دون التوجه الى النيابة العامة وتقديم شكوى، في حين أنه يمكن له أن يرفض فتح محضر فوري لشاكي آخر بالموضوع نفسه، الأمر الذي يجعل الاخير يفتش مضطراً عن مرجعية سياسية أو دينية نافذة للتوسط لمصلحته لدى المحامي العام للقبول بفتح محضراً فورياً له.


كما يمكن للنائب أو للمحامي العام أن يسلم شكوى باليد لمحامي معين لايصالها الى المركز الأمني والمباشرة بالتحقيق بشكل سريع في حين يمكن له الامتناع عن فعل ذلك لمحامٍ آخر لسبب غير معلوم.


وعدا عن كل ذلك، فقد درجت العادة بأن تتوقف الضابطة العدلية عن مخابرة قضاة النيابة العامة ما بين الساعة الثانية من بعد الظهر والساعة الخامسة، بحيث تُعتَبَر هذه الفترة وقت استراحة للقاضي المناوب. الا أن ما يحصل فعلياً على أرض الواقع هو أن الضابطة العدلية تستدعي المشكو منه باكراً الى مركز التحقيق دون أخذ اي اشارة قضائية مسبقة بذلك، وتستمهل المشكو منه بحجج مختلفة قبل المباشرة بالتحقيق معه ولأسباب باتت معروفة، بحيثُ لا ينتهي التحقيق الا بعد مرور خمس أو عشرة دقائق بعد حلول الساعة الثانية من بعد الظهر. وعندها يعتذر رتيب التحقيق عن مخابرة النيابة العامة لأن خلال هذا الوقت لا يمكن أخذ أي اشارة.


وبالنتيجة يبقى المشكو منه بمركز التحقيق طيلة النهار، بانتظار حلول الساعة الخامسة من بعد الظهر ليتمكن المحقق من أخذ الاشارة المرتقبة.

أما في الحقيقة، فان القيّم على التحقيق لا يخابر القاضي المناوب عند الساعة الخامسة من بعد الظهر، بحجة ان المشكو منه يجب أن "يطوّل باله ... هلق صارت الساعة 5... وما فينا دغري نحكي الريس" . وهكذا يكون المشكو منه قد أمضى كامل نهاره في مركز التحقيق تاركاً عائلته وعملهِ، ودون الأخذ بعين الاعتبار أي أهمية للوقت ودون اعطاء أي أهمية لشخص المشكو منه بغض النظر عن الجرم المنسوب اليه.

أما والأخطر من ذلك، فهو محاولة الضابطة العدلية الالتفاف على نص المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والتي تجيز للمشكو منه الاتصال بمحامي للحضور معه أثناء التحقيق. غير أنه و فور وصول المشكو منه الى مركز التحقيق برفقة محاميه، يُمنَع المحامي في البداية من دخول غرفة التحقيق مع موكله بحجج واهية، بحيثُ يباشر المحققون بالضغط على المشكو منه والتهويل عليه لاستنطاقه قبل السماح لوكيله بالدخول. وكما جرت العادة يأتي المحقق "ويعطي نصائح للمشكو منه" بقول الحقيقة قبل دخول المحامي غرفة التحقيق والمباشرة "رسمياً" بالاستجواب، بحيث يحاول المحققون دائماً استجواب المشكو منه "بصورة غير رسمية" قبل السماح للوكيل القانوني بالدخول الى غرفة التحقيق وحضور التحقيق مع موكله.


كل هذه التجاوزات غير القانونية يجب أن تتوقف مع بزوغ فجر جديد وبداية عهد جديد. ولم يعُد من الجائز أن تستمر هذه الممارسات للضغط على المشكو منه بالرغم من الضمانات التي وفرها له القانون. كما أنه يجب وضع معايير محددة وموحدة وواضحة ونظام معين لطريقة عمل النيابات العامة، دون اعطاء الضابطة العدلية الحق بادارة التحقيقات بطريقة أو بأخرى دون علم من القاضي المشرف على التحقيق ولو بأبسط التفاصيل، والا ستبقى التجاوزات مستمرة و لن يكون هناك أي أمل باجراء أي اصلاحات جذرية في هذا المضمار.