بشارة جرجس

حَبرية تنزل عن العرش

4 دقائق للقراءة

برحيل البابا فرنسيس عن عمر ناهز الـ88 عاماً، يُسدل الستار على حَبريّة طبعت مسار الكنيسة الكاثوليكية بتحوّلات غير مسبوقة، تجاوزت الشكل إلى الجوهر. وبين من رأى في إصلاحاته عودة إلى الجذور الأولى للإيمان، ومن اعتبرها خروجاً عن التقاليد الراسخة، يبقى أن الأثر العميق لسنواته في الكرسي الرسولي سيحاكمه التاريخ على أنه لحظة مفصلية في مسار الكنيسة.


كان خورخي ماريو برغوليو أوّل حَبرٍ من القارة الأميركية، والأوّل من نصف الكرة الجنوبي، وأوّل يسوعي يعتلي سدّة البابوية. فلحظة صعود الدخان الأبيض من كنيسة السيستينا عام 2013 لم تكن مجرّد انتخاب بابا جديد، بل إعلاناً ضمنياً عن توجّه جديد في قلب الكنيسة.


فرنسيس كسر التقاليد، وتحدّى الأعراف في الشكل والمضمون. قارب ملفات لطالما اعتُبرت من المحرّمات من منظور إنساني بحت، واهتم بموقع المرأة في هيكلية الكنيسة، وصولاً إلى التخلّي عن مظاهر البذخ التي لطالما اقترنت بـ"أسقف روما". حَبريّته وُصفت منذ انطلاقتها بأنها "تحوّل زلزالي" في هوية الكنيسة الكاثوليكية.


منذ انتخابه، حمل البابا فرنسيس مشروع إصلاح داخلي يهدف إلى بثّ الحياة في مؤسّسة أرهقتها القرون والتقاليد. فتح الباب أمام المرأة لتولي مناصب غير مسبوقة، فعيّن باربارا جاتّا مديرةً لمتاحف الفاتيكان (2016)، ومنح الأخت ناتالي بيكوار حقّ التصويت في السينودس (2021)، ورفع الأخت رافاييلا بيتّريني إلى رئاسة حاكمية الفاتيكان.


ورغم تمسّكه بالعقيدة في رفض كهنوت النساء، إلا أنّه كسر جدار الصمت وأطلق نقاشاً لم يكن مطروحاً من قبل. وبتعبير المؤرخ الكنسي ماسيمو فاجيولي: "جعل ما كان مستحيلاً… قابلاً للتداول".


من أبرز التحوّلات البنيوية التي قادها، إعادة تشكيل مجمع الكرادلة، حيث عيّن 163 كردينالاً من 76 بلداً، بينها 25 دولة لم يكن لها تمثيل سابق. بذلك، نقل مركز الثقل الكنسي من أوروبا إلى الجنوب العالمي، وأعاد رسم خريطة القرار داخل الكنيسة.


السينودس لم يعد مجرّد إطار رمزي، بل تحوّل إلى ممارسة تشاركية فعلية، مع منح النساء حقّ التصويت فيه. كما عمل فرنسيس على كسر هرمية المؤسّسة لمصلحة روح "التلمذة المتواضعة"، وفق تعبير الكاهن الأميركي توماس وورسيستر.


النهج السينودوسي بات العلامة الفارقة لعهد فرنسيس. وبحسب الباحثة كاثرين كليفورد، أعاد البابا تعريف الكنيسة كجماعة تمييز جماعي ومسؤولية مشتركة، لا كطبقات مفصولة بين "إكليروس" و"علمانيين". سلطة الحبر الأعظم، في عهده، لم تكن استعلائية، بل "جامعة بتواضعها".


سياسياً، لم يتردّد فرنسيس في كسر جدار الصمت. من إدانته لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، إلى مواقفه من الحرب في أوكرانيا، وانتقاداته العلنية لسياسات الهجرة في عهد دونالد ترامب، بدا واضحاً أنّه لم يقف على الحياد. وقد كلّفه ذلك الكثير، خصوصاً في الولايات المتحدة، حيث تأثرت شعبيته بين الكاثوليك الأميركيين.


في المقابل، لم يتخلَّ لحظة عن الدفاع عن قضايا المهاجرين والمهمّشين، فكان أكثر بابا حمل تلك القضايا في صلب خطابه السياسي والرعوي. وبدت رسالته الجامعة في "Fratelli Tutti" بمثابة بيان ضدّ الشعبوية المتوحشة.


البُعد البيئي لم يغب عن رؤيته. كان أوّل بابا يربط بين العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية، مجسّداً "خيار الفقراء" في خطاب عملي وراعوي. حتى اسمه، "فرنسيس"، المستلهم من القديس فرنسيس الأسيزي، لم يكن مجرّد رمزية، بل التزاماً برؤية متكاملة لحَبرية "تنزل عن العرش".


فرنسيس فتح الكاثوليكية على أفق عالمي جديد، أقلّ تمركزاً في أوروبا، وأقرب إلى العالم الجنوبي وواقعه.


واليوم، مع غياب البابا الذي شقّ دروب التغيير من قلب الفاتيكان، يصعب تخيّل الكنيسة تعود إلى ما كانت عليه. فالإصلاحات التي أطلقها لم تعد قابلة للتراجع بسهولة. حَبريّته لم تكن لحظة عابرة، بل تحوّلاً بنيوياً في مفهوم السلطة، ودور الكنيسة، ورسالتها في هذا العالم المتحوّل.