تابعنا باهتمام مؤتمركم الأخير، حيث أعلنتم انطلاقة ما وصفتموه بـ "رؤية سياسية جديدة"، وطرحتم فيه النظام الفدرالي كحل للأزمة اللبنانية. حتى هذه اللحظة، لا اعتراض على طرح الأفكار ومناقشة الحلول. فالفدرالية، في حدّ ذاتها، ليست مشروعاً شيطانياً أو محرّماً وطنياً، بل قد تكون في ظروف معيّنة وسيلة لإنقاذ وطن يترنّح تحت ثقل الأزمات.
لكن ما فجّر الاستغراب والقلق في آن هو انتقالكم المفاجئ من طرح الفدرالية كخيار، إلى التهديد بالتقسيم في حال رُفض اقتراحكم من قبل سائر اللبنانيين. هذا الانقلاب في الخطاب، من الحوار إلى الابتزاز، يطرح تساؤلات خطيرة: بأي صفة وبأي شرعية تتهدّدون وتتوعّدون بتقسيم البلد؟ هل تملكون تفويضاً شعبياً؟ أم دعماً إقليمياً ودولياً؟
أي مشروع للتقسيم، تاريخياً، كان يحتاج إلى راعٍ خارجي قويّ وموافقة دولية واسعة. اليوم، لا الداخل اللبناني معكم، ولا الإقليم، ولا المجتمع الدولي. هل حسبتم حساب العواقب؟ تقسيم لبنان لن يكون حدثاً معزولاً، بل سيكون شرارة لانقسامات لا تُحصى في المنطقة، من سوريا إلى العراق وإيران ومن السعودية إلى اليمن والبحرين… من يضمن أن هذه الدول لن تُصاب بعدوى التقسيم؟ تقسيم لبنان سيكون سابقة تهدّد استقرار المنطقة بأكملها، ولهذا وحده، لن يُسمح لهذا المشروع بالمرور، ليس حباً بلبنان أو بكم، بل خوفاً من مفعوله الرجعي في المنطقة.
والأخطر من الطرح نفسه، هو طريقة الطرح: حين تُستخدم الفدرالية كوسيلة ضغط، أو تُقرن بتهديد مبطن، فإنها تتحوّل من مشروع إنقاذ إلى أداة تخريب. وإذا كنتم فعلاً تؤمنون بها كخيار حضاري، فأنتم اليوم تجهضونها بأيديكم، وتحرقون الجسور التي قد توصلكم إليها.
الفدرالية ليست اختراعاً غريباً على المنطقة، وقد تكون الاتجاه الذي تسير نحوه بعض الدول المتأزمة، وسوريا قد تكون أحد الأمثلة. لكن الفارق بين الطرح السليم والطرح الخطير، هو أن الأول يأتي كدعوة وطنية جامعة تنبع من حاجة داخلية صادقة، والثاني يُقدَّم كغطاء لمشروع انعزالي يُخفي في طيّاته رغبة في الانفصال.
ثم نسألكم: عن أي مسيحيين تتحدثون؟ هل تواصلتم مع مسيحيي عكار والبقاع والجنوب؟ هل سمعتم أصوات مسيحيي القاع وشدرا ورميش قبل أن تتكلّموا باسمهم؟ هل تعرفون أن 47 % فقط من مسيحيي لبنان ينحدرون مما يُعرف بمناطق "جبل لبنان "، بينما 40 % ينحدرون من خارجه ويشكّل مسيحيو الأطراف 25 % من مسيحيي لبنان. فنعود ونسأل، من أعطاكم الحق بأن تضعوا مصيرهم على طاولة تقسيم أنتم صنعتموها؟
إن تجربة الكانتون المسيحي في الحرب الأهلية اللبنانية ليست بعيدة!! ألم ولن نتعلّم من تجارب الماضي ومن الحروب داخل البيت الواحد؟ كتائب ضد أحرار، كتائب ضد كتائب، كتائب ضد قوات، قوات ضد قوات، قوات ضد الجيش... دون أن ننسى كتائب ومردة... كلّها انقسامات دموية حوّلت "المناطق الآمنة" إلى ساحة تصفيات. الكانتون لم يُنتج أمناً ولا استقراراً، بل دماءً وانقسامات. هل نعيد الكرّة، ونسلّم مصير من تبقّى من المسيحيين في لبنان إلى مغامرات لا قدرة لهم على تحمّل نتائجها؟
إن دروس التاريخ الحديث تعلّمنا أن الكيانات الصغيرة لا تعيش في العواصف القوية، فنظرة سريعة إلى تجارب بعض هذه الكيانات الصغيرة في مناطق النزاع تفضح الوهم: روسيا وأوكرانيا، أذربجيان وناغورنو كاراباخ، إسرائيل وتركيا في سوريا، إسرائيل وفلسطين... كلها أمثلة عن كيانات لم تصمد أمام رياح الحروب حتى في قلب أوروبا. فكيف نتخيّل أن كياناً "طائفياً" صغيراً في "جزء" من لبنان، بلا جيش حقيقي ولا قدرة دفاعية ولا اقتصاد مكتفٍ، يمكن أن يعيش في قلب العاصفة الإقليمية؟ من سيحميه؟ من سيعترف به؟ من سيموّله؟ أم هو مجرد "فانتازيا" تُترجم في أوراق المؤتمرات وتُدفن في الواقع؟
المسيحيون لا يحتاجون إلى "كانتون" ليصمدوا، بل إلى دور وحضور. وجودهم التاريخي في لبنان لم يكن نتيجة حجم أرض أو حدود جغرافية، لكنّه نابع من دورهم كجسر بين الشرق والغرب، كحجر أساس في حوار الحضارات، وكعنصر موحّد في نسيج لبنان المتعدّد. إنهم منتشرون في أكثر من ألف قرية وبلدة، يشاركون الأرض والتاريخ والوجع مع الطوائف الأخرى. تهديد هذا الوجود المتناغم عبر خطاب انقسامي، هو انتحار جماعي.
مشروعكم، كما طُرح، ليس له أي أفق للتحقّق. لا يملك قاعدة شعبية حقيقية، ولا مظلة دولية، ولا قدرة ذاتية. ومع ذلك، يهدّد فكرة الفدرالية ذاتها، وهي ربما آخر أمل لوقف الانهيار الشامل. لذلك، إذا كنتم فعلاً تريدون الفدرالية، فاشتغلوا لها بوعي ومسؤولية، لا باستفزاز وتهديد. ونحن، كما كثيرين، قد نكون مستعدين للوقوف معكم إن كان الطرح وطنياً شفافاً، لا من خلال فرض إرادة حزبية أو نَخبويّة.
في المرة المقبلة، ننصحكم بعقد مؤتمركم في عين إبل، أو القبيات، أو رميش وليس حصرياً في جبل لبنان. اسمعوا نبض الناس، وتحديداً أولئك الذين قدّموا التضحيات وصمدوا وحافظوا على قراهم وأرضهم والذين من دونهم، ما كانت هناك مقاومة، ولا ثبات.
وسؤال أخير نوجّهه إلى حزبي الكتائب والقوات اللبنانية: أين أنتم من هذا الطرح؟ أين أنتم من مشروع الـ 10452 كلم² الذي استشهد من أجله بشير الجميل؟ هل ستتركون الساحة لمن يختصر لبنان بمشروع صغير لا يعيش؟ أم ستتحمّلون مسؤولية الدفاع عن الفكرة اللبنانية قبل أن تُدفن؟
الفدرالية ليست تهديداً، ولا وسيلة للابتزاز. هي مشروع إنقاذ إذا طُرحت بوطنية. أما إذا رُبطت بالتقسيم، فإنها تتحوّل إلى مشروع انتحار.