زياد البيطار

المبادرة تنطلق عبر MTV و"نداء الوطن"

الفدرالية... لا تعني التقسيم بل إدارة التنوع

5 دقائق للقراءة

بعد سنوات من الجدل السياسي والفكري حول الفيدرالية في لبنان، انتقل هذا الطرح إلى مرحلة جديدة بمبادرة من تجمع UNITE، هدفها تحويل الفكرة إلى مشروع وطني منظّم، عبر إعداد الدراسات وفتح حوار مع مختلف المكوّنات اللبنانية. واختار القيّمون على المبادرة أن تكون انطلاقتها عبر MTV و"نداء الوطن"، باعتبارهما منبرًا للنقاش الحر حول القضايا الوطنية، واستكمالا للمسار الذي بدأه رئيس مجلس الإدارة الأستاذ ميشال المر في فتح النقاش حول الفيدرالية منذ سنوات.

وقد أُقيمت في مبنى "Studio 500" في محطة MTV ندوة تدريبية متخصصة حول الفيدرالية، وهي الأولى ضمن سلسلة من الندوات واللقاءات التي تهدف إلى تعزيز المعرفة القانونية والدستورية لدى الإعلاميين والصحافيين، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي حول هذا النظام السياسي وأبعاده المختلفة.

وقدّم الندوة الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط د. هشام بو ناصيف، حيث استعرض المفاهيم الأساسية للفيدرالية، ونشأتها التاريخية، وآليات تطبيقها في عدد من الدول، إضافة إلى توضيح الفروقات بينها وبين أنظمة الحكم الأخرى، مع التطرق إلى أبرز النقاط التي تُثار في النقاش العام حول الفيدرالية في لبنان.

وشهدت الندوة مشاركة عدد من الإعلاميين والصحافيين، الذين تفاعلوا مع المحاور المطروحة من خلال نقاشات وأسئلة تناولت الجوانب الدستورية والسياسية والإعلامية المرتبطة بالموضوع، في إطار حوار يهدف إلى تعميق الفهم العلمي لهذا النظام، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتفسيرات المتداولة.

وفي خلال اللقاء، قدّم بو ناصيف تعريفًا لمفهوم الفيدرالية، موضحًا أنها نظام دستوري يقوم على توزيع الصلاحيات بين السلطة الاتحادية والسلطات المحلية ضمن دولة واحدة ذات سيادة، بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة وخصوصية مكوّناتها الإدارية. كما استعرض أبرز الركائز التي يقوم عليها النظام الفيدرالي، وفي مقدمتها الدستور، وتقاسم السلطات، واستقلالية الوحدات المحلية الفيدرالية ضمن إطار الدولة الواحدة.

وركّز بو ناصيف على التمييز بين مفهوم الفيدرالية ومفهوم التقسيم، معتبرًا أن الخلط بينهما من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا في النقاش العام. وأوضح أن الفيدرالية لا تعني تقسيم الدولة إلى كيانات مستقلة، بل هي صيغة دستورية تُبقي الدولة موحّدة مع توزيع الصلاحيات بين مستويات الحكم المختلفة، بما يضمن وحدة القرار السيادي مع تعزيز الإدارة المحلية.

كما تناول الاعتقاد السائد بأن الفيدرالية ترتبط حصرًا بالدول ذات المساحات الجغرافية الشاسعة، مشيرًا إلى أن هذا الربط غير دقيق، إذ إن اعتماد النظام الفيدرالي لا تحدده مساحة الدولة، بل ظروفها الدستورية والسياسية والإدارية، مستشهدًا بتجارب دول متفاوتة المساحة اعتمدت هذا النظام بنجاح.

وفي السياق نفسه، دحض بو ناصيف الرأي القائل إن لبنان لا يمكن أن يعتمد الفيدرالية بسبب صغر مساحته أو تركيبته، مؤكدًا أن الفيدرالية لا تقوم على تفكيك الدول القائمة، بل على تنظيم العلاقة بين مكوّنات الدولة ضمن إطار دستوري موحّد. وأوضح أن المفهوم الفيدرالي يرتكز على اتحاد الأقاليم أو الوحدات ضمن دولة واحدة، وليس على تقسيمها أو تفتيتها، معتبرًا أن الاعتقاد بعكس ذلك يشكّل أحد أبرز الأخطاء الشائعة في فهم هذا النظام.

كما أكّد بو ناصيف أن الفيدرالية ليست مشروعًا يقتصر على فئة أو طائفة معينة، ولا يمكن اختزالها بأنها مطلب مسيحي أو طرح مرتبط ببيئة سياسية محددة، بل هي صيغة لإدارة التنوع القائم في لبنان ضمن إطار الدولة الواحدة، بما يراعي الخصوصيات المحلية ويعزز، في الوقت نفسه، وحدة الكيان والمؤسسات.

وأوضح أن الهدف الأساسي من النظام الفيدرالي هو تحقيق تنمية متوازنة وتحسين الإدارة المحلية في مختلف المناطق اللبنانية، بعيدًا عن المركزية التي اعتبر أنها ساهمت في تراكم الأزمات. وأشار إلى أن أي إصلاح من هذا النوع يجب أن ينعكس إيجابًا على المواطنين في مختلف المناطق، من عكار وطرابلس شمالا، مرورًا بكسروان وجبل لبنان، وصولا إلى النبطية ومرجعيون في الجنوب، من دون تمييز بين منطقة وأخرى.

وفي سياق متصل، أكدت عضو في تجمع UNITE بتي هندي أن اختيار MTV و"نداء الوطن" منصة لإطلاق المبادرة لم يكن تفصيلا، بل جاء انطلاقًا من قناعة بأن الإعلام الوطني الحقيقي لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يفتح مساحة للنقاش المسؤول حول مستقبل لبنان. وأشارت إلى أن الأستاذ ميشال المر كان من أوائل الذين آمنوا بضرورة فتح النقاش حول الفيدرالية منذ سنوات، في وقت كان مجرد طرحها يُعدّ من المحظورات السياسية والإعلامية، معتبرة أن هذا المنبر يواصل اليوم ترسيخ حق اللبنانيين في الاطلاع والمقارنة وتكوين قناعاتهم بحرية.

وأضافت هندي أن الفيدرالية في لبنان انتقلت اليوم من مرحلة الطرح النظري إلى مرحلة المشروع الوطني المنظّم، بعدما بقيت لسنوات تُناقش كفكرة أو خيار من دون إطار وطني يجمع الخبرات ويطوّر رؤية متكاملة تُعرض على اللبنانيين بصورة علمية ومؤسساتية.

وأوضحت أن مبادرة  UNITE انطلقت من قناعة بأن لبنان لم يعد يحتمل إدارة أزماته بالأساليب نفسها، وأن من حق اللبنانيين الاطلاع على مختلف الحلول المطروحة لمستقبل البلاد، مشيرة إلى أن المبادرة تجمع خبرات دستورية واقتصادية وإدارية وأمنية وعسكرية وإعلامية ضمن إطار مؤسساتي يهدف إلى تحويل الفكرة إلى مشروع متكامل قائم على الدراسات والخبرة والحوار.

وشددت على أن إطلاق المبادرة لا يمثل إعلان انتصار لفكرة أو نهاية للنقاش، بل بداية ورشة وطنية مفتوحة يشارك فيها مفكرون ودستوريون واقتصاديون وخبراء في الإدارة والأمن والشؤون العسكرية، إلى جانب شخصيات من مختلف القطاعات، بهدف بلورة مشروع فيدرالي متكامل يُطرح أمام اللبنانيين بكل شفافية ومسؤولية.

واختُتمت الندوة بحوار بين المحاضر والمشاركين، تناول عددًا من الأسئلة المتعلقة بإمكانية تطبيق النظم الفيدرالية، والتحديات المرتبطة بها، والدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام في نقل المفاهيم الدستورية بدقة وموضوعية، بما يساهم في رفع مستوى النقاش العام حول القضايا الوطنية.