رواية ألحان فرحات تُحاكي الواقع بحنكة رمزيّة

«بلديّة الغاب» أَنسنت حياة الحيوانات خدمةً لأفكار اللبنانيين

7 دقائق للقراءة

بينما يتهيّأ اللّبنانيون لخوض استحقاق الانتخابات البلديّة في أيار 2025، صدرت قبل أيام، رواية «بلديّة الغاب» للرّوائي ألحان فرحات، عن «دار سائر المشرق»، كمرآة أدبيّة ناقدة تُحاكي الواقع بحنكة رمزيّة، بحيث أَنسنت الرواية حياة الحيوانات وجعلتها في قالب أدبيّ «ديستوبيّ» خدمةً لأفكار تراود اللبنانيين التغييريين.

في غابة مألوفة معالمها، تُدار الانتخابات بذكاء السّلطة ومكر مستشاريها، فيما تتصارع الضمائر بين الولاء والكرامة، المصلحة الشخصية والخير العام، ولدت رواية «بلديّة الغاب» ليس كمجرّد عمل أدبيّ خياليّ، بل دعوة إنسيّة للتفكّر، واستعراض النماذج على أمل تجديد الخيارات وطرق اتّخاذها.


كان سيّد الغاب قد قرّر إنشاء مجلس الغابة البلديّ حتّى يديرَ شؤونها الحياتيّة، وذلك لأهداف رغب فيها. فطموحات الملك تتخطّى مسألة مجلس يُسهِّل حياة رعاياه، إلى مسألة توسيع ملكه وتثبيته وتحقيق مآربه الوجوديّة. وهل هنالك أفضل من مستشاره الماكر شيخ الثّعالب ومستشاره الخبيث شيخ الضِّباع كي يقدّما له المشورة اللازمة من أجل تحقيق مآربه وأهدافه؟ فهل سيتمكّن ملك الغاب من تحقيق رؤيته وإنجاح مشروع إنشاء بلديّة له؟ ومن سيكون رئيس المجلس البلديّ؟ ومن هم الأعضاء؟ وما هي أهداف السّبع المعلنة والمضمرة على حدّ سواء؟ وهل سيبرز دَور لحيوانات أخرى في الغابة تؤثّر إيجاباً أو سلباً في ما سيجري؟ وهل من أحداث فرعيّة أو رئيسة قد تصيب الغابة إلى جانب الانتخابات البلديّة حتّى تنعكس نتائج تغييريّة جذريّة على نمط الحياة السائد؟



رؤيةُ ملك

قد قرّرت إنشاء بلديّة يديرها مجلس من رئيسٍ وأعضاء يسهرون على تطبيق قانون الغاب، ويبسطون العدالة كما أفهمها وأريدها أنا لهم، فأكرّس بذلك حكمي بين رعايا مملكتي، حيث سيكون المجلس حاضراً لتنفيذ أوامري دائماً. فما أحضرتك وشيخ الضِّباع إلى قصري اليوم إلّا كي أسمع ما ستُفضلان به في مسألة اختيار هويّة رئيس المجلس ومعاونيه.


فرح السَّبع بعد مشورته كبير الثّعالب، وأمره بالشروع في تأليف مجلس البلديّة في أقرب مدّة ممكنة. وأن يعود إليه بتقرير أسبوعيّ عن حال المجلس البلدي، إذا كان أبناء المملكة راضين عن التدبير الجديد واستحداث البلديّة في غابتهم.



قانون الانتخاب

ما إن حصل شيخ الثّعالب على تكليف ملكه الشرعيّ والرسميّ لتعيين مجلس الغابة البلديّ، حتى شرع يجول جولاته ويصول صولاته مع إخوانه الثّعالب تحضيراً لهذه المهمّة الدقيقة. فنجاحه فيها يضمن له سيطرة مباشرة على مجتمع الغاب كما أنّه يحقّق مآربه ومصالحه الفرديّة بطريقة خفيّة. ولأنّ شيخ الثّعالب يعي أهمية القانون، ولو نظريّاً، وتأثيره في الحيوانات كافة، بَدءاً من قانون الغاب العامّ حيث أفضلية القوّة على الضعف، وصولاً إلى قوانين الطبيعة كافة التي تضمن لهم البقاء، وضع المستشار الماكر خطةً ماكرةً تضمن له النجاح في مهمّته. وضع خطّة مُحكمة، وكان يدرك أنّه حتّى يتسنى له تنفيذها، لا بدّ له أن يحصل على موافقة سبع الغاب في مضمون القانون المقترح لينشره بعدها للعموم وإجراء الانتخابات بعد ذلك.



مجلس البلديّة

بزغ فجر يوم جديد، وانطلق كبير الثّعالب متوجّهاً إلى بلاط السَّبع حاملاً مَعَهُ خطّةً محكمةً تساهم في وصول لائحة الثّور كاملة، وفق القانون المقترح، إلى المجلس البلدي. وقد وزّع عدد الحيوانات المختارة للائحة على مقاعد المجلس ضمن العدد الكامل المسموح به، فقد اقترح في خطّته أن يكون المجلس مؤلّفاً من عشرين مقعداً. واحد للرئيس الثّور وآخر لنائبه النمس، وستّة مقاعد للدجاج وستّة أُخرى للأغنام بحصص متساوية، ومقعدان للأرانب ومثلهما للقطط بالإضافة إلى مقعد واحد للحرباء وآخر للخنزير، وبهذا يكتمل عدد مجلس الغابة البلدي.



أمّ الينابيع

انتهى اجتماع تعارف المجلس البلديّ بعد أقل من ساعة، حيث كان الثّور مأخوذاً باستعراضه وتباهيه بدعم سيّده ومرجعه السَّبع، إرضاءً لغروره وكبريائه. بينما كان أعضاء المجلس طيلة الجلسة مستمعين يشعرون بالملل والضياع، وقد كان النّمس مشغولاً بالتخطيط لإفشال قرار الملك وكبير مستشاريه.



صراع البقاء

مرّ امتحان تأميم أمّ الينابيع على خير، وانتصرت حيوانات الغابة مجتمعة موحّدة في الحفاظ على حقّ استخدام مياه غابتها لوحدها من دون وجودٍ لأي ذيلٍ غريب بينهم. إلّا أنّ ما ينتظرهم كان أقسى وأخطر، فما كانت الذِّئاب تخشاه حصل فعلًا، عندما استحدثت الأفاعي الصُّفر جحراً في التلّ الأقرَع المطلّ على سهل الغابة الخضراء، وهو الأمر الّذي يشكِّلُ خَطراً وجوديّاً على عشائر الحيوانات.



مصير الحكيم

مضَت أيام على معركة التلّ الأقرع كان فيها ثور البلديّة متوارياً عن الأنظار من خوفه أن يصادف أحد أبطالها من العشائر المقاومة أو ربما أحد الأقرباء لمن سقط في ساحة الوغى دفاعاً عن كرامة الغابة ووجود قاطنيها بحرّية وسلام وأمان.

ضجّ خبر وفاة الغزال الحكيم بين العشائر كافّة. خبر صدم الجميع وفاجأهم لما يحمله حيوانات المملكة من تقدير واحترام لروح حكيم غابتهم، وهو مَن عاش ليخدم غابته وينصر أهلها زمنَ المحن.



هياج الثّور

انطلق شيخ الثّعالب على عجل إلى بلاط الملك، وما إن وصل حتى وجد ثور البلديّة منتظراً منذ ساعات الفجر الأولى قرب باب البلاط من أجل لقاء ملكه. نادى المستشار الملكي، الحرّاس، سائلاً إياهم مقابلة السَّبع في أسرع وقت لأمر طارئ. وهذا ما حصل، قطع سيّد البلاط قيلولته الصباحية من أجل أن يلتقي بمستشاره ويفهم منه ما يحدث في الغابة.



الغدر

انطلق شيخ الثّعالب في طريقه لتنفيذ خطّته الشريرة، وحدث ما لم يتوقّعه حيوان. كان تفصيلاً مهمّاً في خطّة الثّعلب المكّار وما كان ليفصح عنه، فقد أراد توجيه ضربة قاضية للغابة ومَن فيها. ضربة قد تقضي على الحياة الحيوانية تحقيقاً لانتقامه من السَّبع وباقي عشائر الغابة التي تغتابه ولا تأمن لمكره. وصل مستشار الملك إلى وجار الضِّباع المخيف حيث عظام الضّحايا مبعثرة في كلّ مكان، فالضِّباع بطبعهم الخبيث يجذبون طرائدهم إلى المغارة ويتلذّذون في قتلها بطرق مختلفة. وهم يهوون جمع العظام في منطقتهم كدليلٍ على شراستهم لإخافة باقي الحيوانات وردعهم من دخول الحيِّز الضّبْعي.



المشكاة والمأساة

تردّد كبير الكلاب كثيراً في خيانة شيخ الذِّئاب، لكنّه يعلم تمام العلم أنّها الوسيلة الوحيدة لاستعادة ثقة الملك به وبعشيرته واستحواذه على غنائم الغابة الكثيرة. قارب الوقت منتصف الليل، والغابة في ظلام دامس أقلق قلب كبير الكلاب بعد أن حاذى وجار الذِّئاب، مخافة أن يقتلوه، فهم لا يرحمون مَن يعتدي على أرض منطقتهم.



السّخرية

مضت الأيام والشهور منذ أن عيّنَ الثّعلب بتكليف من ملكه مجلس بلديّة يرأسه ثورٌ أرعن اختاره لتلك المهمّة بعناية، وكان قد اختار معه أعضاءً يتناسبون وخطّته. كان الملِكُ يقابل مستشاره الأول والوحيد كبير الثّعالب أسبوعيّاً فلا يجد في مملكته خللاً واحداً أو مشكلة في ما ينقله له الثّعلب المكّار. وشعر أنّ المجلس البلديّ قد أدّى دوره.



النّصيحة

تابع الملك عَدوه نحو السّهول وهو يصيح باسم الثّعلب المكّار متوعّداً إيّاه بالانتقام. وصل السَّبع إلى الجرف الكبير المطلّ على سهل الغاب الأخضر، فرأى أتباعه من الحيوانات يرحلون أفواجاً أفواجاً. فصاح بهم: عودوا إلى مملكتي وأعدكم بالحكم الرشيد.



الانتقام

وراح الملك السَّبع يعدو غاضباً باحثاً عن ثور البلديّة متّجهاً نحو السّهل الأخضر. وما إن أدرك ثور البلديّة أمامه حتى اقترب بخفّة من خلفه، ووثب عليه حتى أتاه من عنقه بضربة واحدة، فوجد الثّور نفسه مرميّاً في الأرض تحت قبضة السَّبع يزأر في وجهه بقوّة.



الوصيّة

ركض الملك إلى أعلى الجرف المقابل للسهول وصاح في أتباعه قائلاً: الحريّة أثمن الكنوز، والخير أجمل الوسائل والحقّ أفضل الغايات. فلا تحيدوا عن الخير والحقّ لأنّهما وسيلة وغاية لا يمكن صهرهما ويستحيل فصلهما؛ فاحفظوا وصيتي لكم: «إنّ الغاية هي الوسيلة إلى الصيرورة».