بعد 10 سنوات على عرضها الأول، عادت مسرحية «Venus» إلى خشبة "مسرح المونو" بنفس الصّياغة السّابقة لكن بنفسٍ جديد. العمل المستوحى من المسرحيّة العالميّة "Venus in Fur"، وضعها الكاتب الأميركي David Ives، وقُدّمت لأوّل مرّة خارج برودواي عام 2010 مع فرقة "Classic Stage Company"، قبل أن تنتقل إلى برودواي عام 2011، من بطولة نينا أرياندا وويس بنتلي، حيث تدور أحداثها في مدينة نيويورك المعاصرة.
أما النّسخة اللّبنانية، المقتبسة بشكل شبه حرفي عن النّص الأصلي، فتحمل توقيع غبريال يمين ولينا خوري إعداداً. يقودها إخراجياً جاك مارون، الذي يجمع على الخشبة الممثّلَين بديع أبو شقرا وريتا حايك، في عملٍ يتطلّب جرأة أدائيّة عالية وقدرة كبيرة على التّمثيل بصدق، ويراهن على عمق النّص وصراعاته النّفسيّة المعقّدة.
تتألّق ريتا حايك في دَور "فاندا"، ممثّلة شابة تدخل عالم المسرح من باب تجربة أداء، لتواجه مُخرجاً محبطاً جسّد دوره بديع أبو شقرا، فَقَد الأمل في العثور على امرأة تجسّد دور بطلة أحلامه. شخصيّة مستوحاة من الرواية التي كتبها مازوخ عام 1870، تسكن خياله وتحرّك رغباته المكبوتة بالتّألّم للوصول للاكتفاء واللّذة. فتاة مطيعة في ظاهرها، لكنّها قادرة على الهيمنة، على السّيطرة، على إذكاء الألم وتحويله إلى نشوة خالصة.
تطلّ "فاندا" على المُخرج "بديع" فجأة، ككابوس جميل بين حدود الواقع والوهم، تخفي خلف قناع السّذاجة والجهل دهاءً خطيراً. ظنّ بدايةً أنّه المتحكّم بخيوط اللّعبة، أو أنّها مجرّد دمية تنتظر تحريكه لها. لكنّ اللّعبة تنقلب سريعاً، وتكشف "فاندا" عن أنيابها المغلّفة بالسّحر والجمال والقوّة، فتغزو جسده وروحه، وتكبّله بأوهامه المكبوتة ورغباته المدفونة. هناك، على تخوم الوعي واللّاوعي، تنفجر معركة مسعورة: بين اللّذة والعذاب، بين السّيطرة والاستسلام، وسط عاصفة من الرّغبات والصّرخات والآهات المكتومة.
بين الكوميديا والإغراء
تألّقت الممثّلة ريتا حايك على خشبة المسرح، مظهرةً قوّة أداءٍ لافتة وموهبة استثنائيّة في تجسيد شخصيّة معقّدة ومليئة بالتّناقضات مثل شخصيّة "فاندا" والسّيدة الّتي تتقمّص شخصيّتها ضمن تجربة الأداء. ريتا نجحت بإضحاك الحضور وخطف أنفاسهم في كلّ ثانية، وأسرتهم في المقابل بإغراءٍ مدروس وملفت وغير مبتذل، متنقّلة بسلاسة وسهولة بين المرأة المرحة والكوميديّة من جهة، والمرأة القويّة والمسيطرة من جهة أخرى.
وفي حديث مع "نداء الوطن"، أكدّت حايك أنّها اختارت الدّور عن قناعة تامّة، مضيفةً: "أنا ممثّلة، أؤدي الأدوار التي أراها مناسبة وتليق بي. أمّا الحديث عن الجرأة في التّمثيل، فلا مكان له في زمننا هذا".
في مواجهة الزّمن
عن التّغيرات التي شهدها أداؤها للشخصيّة بعد مرور 10 سنوات على عرض العمل المسرحيّ للمرّة الأولى، قالت ريتا حايك إنّها شهدت تطوّراً كبيراً في مسيرتها، مؤكّدةً اكتسابها خلال هذه الفترة خبرة إضافية في مجال التّمثيل، ما ساهم في إثراء أدائها وتطويره بشكل ملحوظ.
على صعيد آخر، كشفت حايك أنّ غيابها عن الشّاشة الصّغيرة ليس نتيجة اعتزالها للأعمال الدّرامية، بل لأنّها لم تجد بعد الدّور الذي يثير إعجابها ويخطف قلبها وعقلها. وأضافت أنّها تتطلّع إلى مشاريع جديدة تتميز بالتّحدي وتتناسب مع تطوّر أدائها كممثّلة، معبّرةً عن رغبتها في انتقاء أدوار تلامس أعماقها وتناسب المرحلة الحاليّة من مسيرتها الفنّية.
بين الألم والنّشوة
يتسلّل بديع أبو شقرا، من جهته، إلى خشبة المسرح كطيفٍ قلق، يلعب دور مخرجٍ يائس تتآكله الرّغبة في العثور على امرأة استثنائية لا تشبه غيرها، سيّدةٍ لا تغويه بل تجرحه، تذلّه وتُحكم قبضتها على أوتار روحه حتى الانكسار، لتتفتّح من رماد الألم نشوته الأبديّة. بديع "البديع" أبدع بأدائه حدّ الذّهول، حتّى تساءل الجمهور إن كان الأخير يُجسّد دوراً اختاره، أم يكشف، بلا قناع، عن مرآة ذاته الحقيقيّة. بخيوطٍ من وجع ولذّة، ينسج بديع رحلة شاعريّة إلى قاع إنسانيّته، حيث تختلط الحقيقة بالتّمثيل، واللّذة بالانكسار.
وفي حديث لـ "نداء الوطن"، يفتح أبو شقرا نافذةً على ذاته، قائلاً: "أنا شرقيّ حتى العظم". ومع ذلك، لا يرى في تجسيده لدور المُخرج العاشق للألم إذلالاً للرّجل، بل يرى فيه مرآةً لجرأة نادرة وصدق غير محدود وتصالح مع الذّات. جرأة أن يكشف الإنسان عن قاعه المخفيّ، بلا خوف.
يتابع بديع: الدّور ليس انكساراً، بل صدقٌ فادح مع النّفس. نحن نخفي هشاشتنا تحت أقنعةٍ من صلابة زائفة، ولو امتلكنا الشجاعة لنكشف حقيقتنا أمام الجميع، لكان السّلام بين البشر ممكناً، كما لو أنّ كلّ روح وجدت أخيراً موطنها في عيون الآخرين.
خلاصة "Venus"
بين أداءٍ آسر لريتا حايك، وتجسيدٍ مؤلم وصادق لبديع أبو شقرا، تُثبت "Venus" أنّ المسرح الحقيقي لا يكتفي بسرد القصص، بل يغوص في قلوبنا ليكشف ما نخفيه حتى عن أنفسنا. هي رحلة اعتراف، لا تخاف من العري الرّوحي، تذكّرنا أنّ خلف كل قناعٍ يرتديه الإنسان، هناك ضعفٌ وجمالٌ، وهناك أيضاً توقٌ دائمٌ إلى أن نُرى على حقيقتنا، ولو للحظة واحدة فقط.
ملصق المسرحية حيث يجلس بديع أبو شقرا على ساقَي ريتا حايك، يوحي بجرأةٍ صادمة تنتظر الجمهور المشاهد، أو أنه سيكون على موعد مع عرض مسرحيّ استفزازيّ، لكنّه في الواقع ليس سوى انعكاس بصري لمعركة خفيّة تدور في أعماق الإنسان، حيث تتقاطع الحاجة إلى الامتلاك مع الرغبة في الانكسار.