في الذّكرى السّنوية الثّانية لرحيل المفكّر والمناضل الثّائر ضدّ الظّلم والعنف وليد صلَيْبي، أحيت "جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان (AUNOHR)" المناسبة في "بيت بيروت"، حيث سلّطت الضّوء على أبرز المحطّات الفكريّة والنّضالية في مسيرته، خاصّة ضدّ الطائفيّة المعشّشة في نفوس اللّبنانيين ونظام دولتهم، كما استعرضت أهمّ المفاهيم التي طوّرها ودافع عنها خلال حياته.
في 3 أيّار 2023، غاب وليد صلَيْبي، أيقونة اللّاعنف، كما عاش: حرّاً. رحل المفكّر والمناضل عن 67 عاماً، بعد صراع جسدي دام عقدَين، لم تضعف خلالهما عزيمته يوماً، ولا حجب صوته في وجه الظّلم. كان مرضه مرافقاً، لا مانعاً. ظلّ يقاوم، لا ليستمر فقط، بل ليُنجز ويُغيّر، ويزرع مفاهيم التّحرّر والعدالة في أرضٍ عطشى للسّلام.
كرّس صلَيبي حياته لفكرة، آمن بها حدّ النّقاء: اللّاعنف، لا كوسيلة، بل كجوهر وجود. بعيداً عن الأضواء والمناصب، نسج مع رفيقة دربه الدّكتورة أوغاريت يونان مسيرةً امتدت لأربعة عقود، أثمرت تأسيس "جامعة أونور" عام 2014، أوّل صرح أكاديمي في العالم العربي يُعنى بتعليم اللّاعنف وحقوق الإنسان. وقد بلغ هذا النّضال ذروته الرّمزية حين نال الثّنائي "جائزة غاندي العالميّة" عام 2022، كأوّل لبنانيَّين ينالان هذا الشّرف.
كان صلَيبي صوتاً هادئاً بحجم زلزال. لا يُقارع بالعنف، بل بالفكر والمحبّة، مؤمناً بأنّ الحبّ والموسيقى هما جوهر الحياة. مزج بين الفلسفة والميدان، وابتكر مفاهيم رائدة في العصيان اللّاعنفي والعمل المجتمعي، تاركاً بصمات لا تُنسى في قضايا مركزيّة كإلغاء الإعدام، الأحوال الشّخصيّة المدنيّة، وحقوق العمّال والمعلّمين.
اختار أن يودّع العالم كما عاش فيه: ببساطة، بلا طقوسٍ طائفيّة، في صمتٍ يليق بحياة حرّة وضمير يقِظ. واليوم، لا تزال كلماته تتردّد كوصية أخيرة لمن يحملون الشّعلة من بعده: "نحن لسنا في عالم انتصر فيه العنف، نحن في عالم لم ينتصر فيه اللّاعنف كفاية بعد".
ذكرى وجدانيّة فكريّة
"على مدى ساعتَين، تمّ إحياء الذّكرى الثّانية لرحيل المفكّر وليد صلَيبي، في أجواء فكريّة ووجدانيّة بسيطة، كما أحبّ الرّاحل، بعيداً عن أيّ طقوس تقليديّة"، تقول أرملة الرّاحل وشريكته في الأفكار والمبادئ الدكتورة أوغاريت يونان، لـ "نداء الوطن".
شارك في المناسبة نحو 150 شخصاً من مختلف المناطق، من طلّاب وأساتذة وأصدقاء وناشطين رافقوا صلَيبي منذ بداياته، إضافةً إلى أفراد العائلة. وألقت رفيقة دربه الكلمة الأساسيّة، مستعرضةً محطّات من مسيرته الرّياديّة في مواجهة العنف والطّائفية. ثمّ تنوّع البرنامج بين لحظات وجدانية وعروض فكريّة، تخلّله عرض فيديو لمختارات من أرشيف صلَيبي، وأداء موسيقي لعدد من طلّاب الجامعة، منهم آنا البيطار، نبيه السمراني وأريج عزام. كما قُدّمت تحيّة لكتابه المرجعي "نعم للمقاومة لا للعنف"، عبر قراءات طالبيّة من لبنان وفلسطين وسوريا ومصر وكردستان. واختُتم اللقاء بنخب رمزي باسم صلَيبي، وفاءً لروحه وإرثه الّذي لا يزال يُلهم أجيالاً تنشد التّغيير عبر اللّاعنف.
كتاب مؤثّر وفعّال
ذكرى صلَيبي مناسبة لاستعادة واستذكار أفكاره في مجال اللاعنف، من خلال العودة إلى واحد من أبرز مؤلّفاته. كتاب "نعم للمقاومة لا للعنف"، الذي يتمحور حول فلسفة واستراتيجية اللّاعنف، ويُسلّط الضّوء على مفهوم النّضال السّلمي، من خلال مقارنة تحليليّة بين "انتفاضة الحجارة" عام 1987 و"انتفاضة الأقصى" عام 2000، في سياقٍ طرح أسئلة محوريّة حول فاعليّة العنف مقابل اللّاعنف في مواجهة الإحتلال والظّلم.
يتميّز الكتاب بصيغة حوار مبسّط، مستنداً إلى عشرات النّقاشات التي أجراها المؤلف مع ناشطين وناشطات على مدى سنوات. وقد مثّلت "انتفاضة الحجارة" مصدر إلهام لهذا الحوار، بوصفها نموذجاً حيّاً للنّضال الشّعبي اللّاعنفي في العالم العربي.
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب باللغة العربية عام 2005 في 105 صفحات، تلتها طبعة ثانية مختصرة عام 2015 في 37 صفحة، ثم تُرجِم إلى الإنكليزية عام 2018.
اللّاعنف وسيلة مواجهة وتحرّر
ترى الدكتورة أوغاريت يونان في معرض تعليقها على هذا الكتاب البارز في مسيرة الراحل وليد صلَيبي أنّ "انتفاضة الحجارة" عام 1987 شكّلت نموذجاً فعّالاً للنّضال السّلمي في التّاريخ الفلسطيني المعاصر، مشيرةً إلى أنّ 27 % من وسائلها كانت لاعنفيّة، ما ساهم في تحقيق مطالب أوسع وأفضل للشّعب الفلسطيني. وأضافت لـ "نداء الوطن" أنّ المقارنة مع "انتفاضة الأقصى" عام 2000، الّتي اتّخذت طابعاً أكثر عنفاً، أظهرت نتائج مغايرة، إذ أدّت تلك الانتفاضة إلى فقدان المزيد من الحقوق، ما يعزّز أهمية خيار اللّاعنف كوسيلة استراتيجيّة للمواجهة والتحرّر.
"أونور" وحقوق الإنسان في لبنان
"جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان (AUNOHR)"، مؤسّسة جامعيّة خاصّة ومستقلّة، هدفها نشر أفكار ومبادئ اللّاعنف وحقوق الإنسان بين الأفراد وداخل المجتمعات. تستند إلى خبرة ثلاثة عقود لمؤسّسَيْها، المفكّر الراحل وليد صلَيبي وزوجته الدكتورة أوغاريت يونان، ونخبة من المفكّرين اللّبنانيين والأجانب.
تهدف هذه الكلّيّة إلى تقديم نموذج جامعي فريد يُكمّل التّعليم التّقليدي بمناهج مبتكرة، تركّز على التّغيير المجتمعي والتّربية المدنيّة اللّاطائفية. الجامعة التي تستقطب طلاباً من لبنان والعالم العربي من مختلف الخلفيّات الأكاديميّة، تمنح شهادات "ماستر" و "دبلوم" جامعية، وتوفّر أيضاً برامج تدريب مهني للمجتمع المدني وأصحاب القرار.
أما أهدافها العمليّة، فتتلخّص ببناء شراكات أكاديمية محلّية ودوليّة، وإعداد مدرّبين محترفين في ثقافة اللّاعنف، وإنتاج مناهج وبحوث علميّة، كما إنشاء مكتبة ودار نشر متخصصة، وترسيخ قيم الحرّية والمساواة واللّاطائفيّة في بيئة الجامعة ومناهجها.
ولعلّ لبناننا بماضيه وحاضره، وربّما مستقبله، هو الحقل الأخصب والأنسب لزرع مثل هذه المبادئ وتنميتها، ربما تنبت يوماً في عقول أبنائه فتثمر وطناً تُحلّ فيه الخلافات بين أبنائه بانتصار الرأي على الرأي والحجّة على الحجّة، بعيداً من العنف ووسائله.