مسعود محمد

سنجار... عقدة إيران في العراق

20 تشرين الأول 2020

02 : 00

هوشيار زيباري، الديبلوماسي المخضرم ووزير الخارجيّة والمال السابق والعضو القيادي في الحزب الديموقراطي الكردستاني، كان يعي ما يقول عندما دعا إلى إنهاء دور الميليشيات المتحكّمة بحياة العراقيين والمصرّة على منع أي تقدّم في اتجاه حالة من الإستقرار والعدالة والحرّية والديموقراطيّة البعيدة عن سيطرة إيران. و"الحشد الشعبي" لم يتأخّر في الردّ على ما سمّاه "تصريحات زيباري"، ولكن الحقيقة هي أن الإستهداف كان لإتفاق سنجار. فما المقلق في إتفاق سنجار؟

يبعد قضاء سنجار في محافظة نينوى عن مثلث الحدود العراقي - التركي - السوري نحو 50 كيلومتراً، وهو أقرب إلى الحدود السوريّة - العراقيّة "محلّ التنافس الإقليمي" على الطرق البرّية الرابطة بين آسيا وأوروبا. ويحتوي القضاء على منطقة استراتيجيّة من الناحية العسكريّة، هي "جبل سنجار"، المطلّ على مناطق شاسعة حيث تستطيع الجيوش إصابة أهداف في سوريا وتركيا والعراق من خلاله، إن امتلكت صواريخ بعيدة المدى.

وقضاء سنجار محلّ توتّر عرقي من الناحية الديموغرافيّة بين العرب والكرد، ومذهبي بين المسلمين والإيزيديين، كما يُعتبر محلّ توتّر بين حكومة إقليم كردستان وحكومة بغداد على إدارته بعد انسحاب قوّات "البشمركة" الكرديّة ودخول ميليشيات "الحشد الشعبي" والجيش العراقي والشرطة، وضمّه إلى إدارة الحكومة الاتحاديّة بعد استفتاء انفصال كردستان.

وبعد سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة الموصل العام 2014 وبعد إعلانه "دولة الخلافة"، هاجم التنظيم الإرهابي مدينة سنجار في بداية آب وسيطر عليها، وفرض شروطه على أهلها من الإيزيديين واستعبد نساءهم، وقتل رجالهم بوصفهم "كفاراً" تبعاً لمعتقداته، وهو ما أفضى إلى تراجيديا إنسانيّة حقيقيّة ما زالت آثارها قائمة حتّى اللحظة. وقد استدعى هذا الوضع، الذي تزامن مع هجوم التنظيم الجهادي على قضاء مخمور التابع لمحافظة نينوى أيضاً، وتهديده لمدينة أربيل، دخول حزب "العمال الكردستاني" على خطّ المواجهة بإيعاز إيراني، ليُشارك مع قوّات "البشمركة" بشكل علني في استعادة مدينة سنجار في نهاية 2014 وصولاً إلى فرض "العمّال الكردستاني" هيمنته الكاملة على المدينة، في سياق اتفاق ضمني بينه وبين الحكومة الاتحاديّة في بغداد، كان للإيرانيين دور رئيسي فيه.

لهذا لم تقترب حينها القوّات العراقيّة و"الحشد الشعبي" من مدينة سنجار مطلقاً خلال عمليّات استعادة المنطقة من تنظيم "داعش" في العام 2017. كما لم تقترب هذه القوّات من المدينة في إطار تقدّمها للسيطرة على المناطق المتنازع عليها بعد أزمة الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان في نهاية العام نفسه، وذلك بسبب التعاون الوثيق بين "الحشد الشعبي" و"العمال الكردستاني"، فشكّل الحزب قوّة قتاليّة إيزيديّة تابعة له في سنجار بإيعاز ودعم من "الحشد الشعبي".

ومن المفيد لفهم ما حصل، ربط الإتفاق بإتفاق تركيا وإيران في أيلول 2020 الذي قضى بتعزيز التعاون بين البلدَيْن في محاربة التنظيمات المعارضة - الانفصاليّة الكرديّة فيهما، تحديداً حزب "العمال الكردستاني" التركي، وحزب "الحياة الحرّة" الإيراني، بل وتنفيذ عمليّات مشتركة ضدّهما في كردستان العراق، حيث يتواجدان. وكان من الواضح أن اتفاق سنجار كان إحدى النتائج المباشرة لهذه الترتيبات، ولكن من دون أن يعني ذلك قطيعة حقيقيّة بين إيران و"العمّال الكردستاني"، فإيران حريصة على الإبقاء على علاقات استراتيجيّة معهم.

وهذا ما سيضمنه الفصيل الإيزيدي المسلّح التابع لـ"العمّال الكردستاني" هناك، بعد انسحاب مقاتليها الكرد الأتراك من المدينة، خصوصاً أن حلم طريق "شريان الحياة" الإيراني الذي يربط إيران بسوريا نحو لبنان إلى شواطئ البحر المتوسّط، يمرّ عبر هذه المنطقة، ويفرض على إيران التعاون الوثيق مع "العمّال الكردستاني" الذي يُسيطر عمليّاً على شمال شرقي سوريا، عبر مقاتليه الكرد السوريين بالنيابة، لهذا تجد أن اتفاق سنجار يتحدّث بلغة ديبلوماسيّة ملتبسة عن "العمّال الكردستاني" حرصاً على مصالح إيران. وحدّد الإتفاق حدود خروجهم من "حدود قضاء سنجار" حصراً، ولم يتكلّم عن خروجهم من الأراضي العراقيّة ككلّ.

ونجح الكرد عبر التعاون مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بوضع سنجار ضمن ما يُسمّى سياسيّاً "المناطق المتنازع عليها". فقد نصّ الاتفاق على أن تكون مسؤوليّة الأمن في سنجار من اختصاص "الشرطة المحلّية وجهاز الأمن الوطني والمخابرات حصراً"، إلّا أن ملحق الإتفاق أشار إلى أن ذلك سيتمّ عبر "التنسيق مع الأجهزة الأمنيّة في إقليم كردستان". كما تحدّث الاتفاق عن تشكيل "لجنة مشتركة من الحكومة الاتحاديّة وحكومة إقليم كردستان لإعادة إعمار القضاء". وهذا هو السبب الحقيقي الذي يُقلق إيران ويُهدّد "شريان الحياة" في ظلّ الحصار المفروض على الجمهوريّة الإسلاميّة، ما يُهدّد بسقوط مشروعها التوسّعي وإغلاق خطّ تدفّق الأموال إليها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.