بينما يتحدّث البعض عندنا وفي العالم العربي عن أنّ الإعلام الحديث سحب البساط من الإعلام التقليديّ، خصوصاً الإذاعة والتلفزيون، ما زالت هاتان الوسيلتان تحظيان بنسبة متابعة وحضور وتقدير في أوساط الجمهور في الغرب. ومن بين الأسماء المعروفة في عالم الإذاعة بالولايات المتحدة الأميركية، دليلة (Delilah)، الشخصيّة الشهيرة والمعروفة في أوساط مستمعي الإذاعة هناك والتي تطلّ من خلف الميكروفون كلّ ليلة، لتتحوّل معها الكلمة التي تقولها أو الأغنية التي تبثّها إلى مشاعر وذكريات، وجسر من التواصل والتعاطف بين المستمعين.
دليلة الشهيرة بكونها ترافق الملايين في لحظات الحب والانكسار، خصّصت لها مجلة "PEOPLE" لقاءً، قالت فيه إنّ موهبتها في اختيار الأغنية المناسبة لكلّ موقف عاطفي ليست صدفة، بل فطرة تربّت عليها منذ الطفولة. وتُخبر أنّ عقلها يحفظ كلمات الأغاني، حتى لو لم تكن تحفظ الأغنية كاملة، "أحياناً يكفيني سطر أو اثنان فقط. كان والدي مثلي تماماً، أي جملة يسمعها، يربطها بأغنية، الفرق الوحيد أنّ صوته كان جميلاً، أما أنا، فأدع المهمة للمغنّين".
عند اختيارها الأغاني، لا تتوقّف دليلة عند الكلمات الظاهرة، بل تغوص في جوهر القصة التي تسمعها من مستمعيها. وتوضح أنّ الاعتماد على عنوان أغنية أو جملة مشهورة قد يُضلّل المعنى. وبابتسامة تعطي مثلاً: "بعضهم يطلب أغنية مثل "I Will Always Love You" احتفالاً بذكرى زواج. علماً أنّ الأغنية في الحقيقة تتحدّث عن فُراق، عن حبّ لا يستطيع الاستمرار. لا أريد أن أرسل رسالة خاطئة في لحظة سعيدة".
جرح الأم
ورغم هذه الإيجابية التي تنشرها كل ليلة عبر الأثير، لكنّ دليلة في عمق قلبها تعيش جرحَين لا يُحتملان: فقدان ابنها "سامي" عام 2012 بسبب مضاعفات فقر الدم المنجلي، ثم انتحار ابنها الآخر "زاك" عام 2017. ومع ذلك، استمرّت في تقديم برنامجها، تُصغي للناس وتُربّت على قلوبهم بصوتها الدافئ.
وتقول عن تجربتها: "عندما أكون موجوعة أو فارغة، وأفتح قلبي للآخرين، أجد نفسي ممتلئة من جديد. أحياناً ينفد مني كل شيء، خصوصاً بعد مكالمات تستنزفني تماماً. لكن عندما أقدّم المساعدة لشخص في أمسّ الحاجة، أجد أنني أنا من يتجدّد".
ودليلة، الأم والجدّة، تجد في أولادها وأحفادها أملاً في المستقبل: "أنا أستمد الأمل من أطفالي وأحفادي لأنهم سيبقون بعدي، ويحملون شيئاً من نوري معهم".
الإنسانية أولاً
المذيعة الأميركيّة (65 عاماً) تؤمن أنّ كلّ إنسان يحمل قصة، بصرف النظر عن مظهره أو وضعه. وتقول: "كلّ شخص تلتقي به يحمل عوالم بداخله. حتى من نميل لتجاهلهم كالمشرّدين، والمسنّين، والمرضى، فهم محبوبون، مهمّون، وثمينون".
هذه الفلسفة تُترجمها في برنامجها، حيث يشعر المستمع أنّ صوته مسموع، وأنّ مشاعره حقيقية. تقول: "أكبر إطراء يمكن أن أتلقّاه عندما يقول لي أحدهم: "كبرت وأنا أستمع إليك، وشجّعت أولادي على الاستماع إليك، والآن أحفادي أيضاً". أن تكون جزءاً من نسيج حياة شخص، هذه أعلى منزلة يمكن أن تصل إليها كمذيع".
أطفئوا الشاشات وانظروا في العيون
بعيداً من الأغاني والمشاعر، توجّه دليلة رسالة جريئة في زمن تغزوه الشاشات: "ضعوا أجهزتكم جانباً. انظروا في أعين من تحبونهم. الأجهزة مفيدة، لكن حين تصبح بديلاً عن العلاقات الحقيقية، فهي قاتلة". وتشدّد على أنّ أبناءها لا يستخدمون الهواتف الذكية، بل تكتفي ابنتها المراهقة بهاتف بسيط للطوارئ. فهي بعد المدرسة، لا تتجه للإنترنت، بل للحديث مع الأسرة واللعب، وتضيف دليلة: "علّمت أولادي أنّ العلاقات الإنسانية هي ما تبني الحياة، لا الرسائل النصية".
وتعود في كلماتها الأخيرة إلى جوهر الحياة: "الحياة ثمينة، بجمالها وعواصفها. حتى الموت جزء من هذه العظمة. هناك جمال في كل زاوية، فلا تفوّته".