في مشهد يُجسّد التناقضات العميقة في الحرب الروسية الأوكراني، شهدت الساحة الحمراء في موسكو عرضاً عسكرياً ضخماً بمشاركة مصر، الصين، وكوريا الشمالية، ما سبب انزعاج كييف من مشاركة دول كانت تدعي الحياد وتطلق مواقف ومبادرات سلام.
من ناحية أخرى، اطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مناورة سياسية جديدة، عندما دعى الى عقد جولة مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا في إسطنبول في الخامس عشر من الشهر الحالي برعاية تركية، وذلك لاستكمال مباحثات توفقت قبل 3 اعوام عندما رفضت كييف مطالب موسكو.
وبالتزامن كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي جاءت مباشرة بعد انتهاء هدنة "عيد النصر" دوّت صافرات الإنذار في كييف عندما اطلقت روسيا 60 مسيرة باتجاه كييف، وتصدت الدفاعات الجوية الأوكرانية لها فأسقطت 41 منها، الأمر الذي اعتبرته كييف رفض واضح لمقترح هدنة 30 يوما الذي ايّده الرئيس ترامب.
وفي وقت تسعى فيه روسيا لتأكيد عدم عزلتها الدولية، سجّلت خروقات متواصلة لوقف إطلاق النار المعلن ميدانيًا حيث شهدت الجبات تبادل للقصف المدفعي، وسط تشكيك أوكراني وغربي في نوايا موسكو الحقيقية.
مشاركة مثيرة للجدل في العرض العسكري
شهد العرض العسكري الروسي بمناسبة عيد النصر على النازية مشاركة غير مسبوقة لقوات من دول صديقة لموسكو كالصين ومصر.
فقد حضر الرئيسين الصيني تشي جين بينغ والمصري عبد الفتاح السيسي على رأس وفداً رسميًا، على رغم إصرار مصر على موقف عند “الحياد”.
أما كوريا الشمالية، فعبّرت صراحة عن دعمها لما وصفته بـ"مقاومة روسيا للهيمنة الغربية".
أوكرانيا بدورها وصفت المشاركة الدولية بأنها "رسالة سلبية" في ظل استمرار الحرب على أراضيها.
واستدعت وزارة الخارجية الأوكرانية عددًا من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى أوكرانيا ومنها السفير المصري في كييف، وقُدّمت مذكرة اعتراض إلى دبلوماسيي الدول المعنية حيث اعترضت أوكرانيا رسمياً على مشاركة تلك الدول في العرض العسكري.
وأكد النائب الأول لوزير الخارجية الأوكراني سيرغي كيسليتسيا أن أوكرانيا تعتبر وجود مسؤولين أجانب رفيعي المستوى في عرض تستضيفه الدولة المعتدية خطوة غير ودية في ظل حرب العدوان الروسية المستمرة، وعمليات القتل الجماعي للأوكرانيين، والضربات على البنية التحتية المدنية، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وقال الجانب الأوكراني انه يجب احترام التضحيات الكبيرة للشعب الأوكراني، إلى جانب دول التحالف المناهض لهتلر والاتحاد السوفيتي السابق، في تحقيق النصر على النازية.. قبل ثمانين عامًا. ولن تسمح أوكرانيا لروسيا بمصادرة ذاكرة الماضي، أو الاستيلاء على النصر الجماعي، أو التقليل من الدور الحاسم الذي لعبه الشعب الأوكراني.
أشار سيرغي كيسليتسيا إلى أن روسيا لا تزال ترفض جهود استعادة السلام ولم تقبل بعد الاقتراح الأمريكي بوقف إطلاق نار كامل وغير مشروط لمدة 30 يومًا، والذي وافقت أوكرانيا على دعمه في 11 آذار. وأكد أن روسيا فشلت حتى في الالتزام بما يسمى "وقف إطلاق النار الاستعراضي"، وتواصل هجماتها اليومية على طول خط المواجهة بأكمله.
واعتبر ايضا أن حضور مسؤولين رفيعي المستوى من بعض الدول في الفعاليات التي ينظمها الكرملين لا يمت بصلة إلى تكريم ذكرى ضحايا وأبطال الحرب العالمية الثانية. بل على العكس، يُمثل تدنيسًا لهذه الذكرى وتأييدًا للعدوان الحالي في أوروبا، والحرب العدوانية التي تشنها روسيا على أوكرانيا.
خروقات متكررة لوقف إطلاق النار
وزارة الدفاع الأوكرانية وصفت التزام روسيا بوقف إطلاق النار بـ"الخدعة"، وأكدت أن الحديث عن مفاوضات في ظل القصف “يُعد مهزلة سياسية”.
وأكّدت مصادر وزارة الدفاع الأوكرانية أن الجبهات الشرقية، خاصة في دونيتسك، شهدت قصفًا مدفعيًا عنيفًا رغم إعلان موسكو "هدنة محدودة". في المقابل، نفذت أوكرانيا ضربات دقيقة على مستودعات ذخيرة روسية قريبة من خطوط التماس.
ضابط أوكراني من جبهة خيرسون قال:
"نتلقى قصفًا كل ليلة. لا وجود لهدنة على الإطلاق، فقط إعادة تموضع روسية".
مبادرة التفاوض من إسطنبول مجددًا
اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إعادة استئناف المحادثات في إسطنبول، مؤكدًا أن بلاده “مستعدة للحوار على أساس الواقع الجديد”.
لكن كييف رفضت العرض، مؤكدة أنها لن تدخل أي مفاوضات قبل الانسحاب الروسي الكامل ومحاسبة المتورطين في جرائم الحرب.
أنقرة رحبت مبدئيًا بالاقتراح، فيما ترى العواصم الغربية أن موسكو تحاول شراء الوقت وإحداث انقسام داخل الصف الأوروبي.
الحرب مستمرة... والسلام مؤجل
بين العروض العسكرية في موسكو، وصفارات الانذار في كييف، يثبت الواقع أن الحرب لا تزال في ذروتها. ومهما علت نبرة الخطابات الدبلوماسية، فإن صوت المدافع يبقى الأعلى، ما لم يتغيّر ميزان القوة على الأرض أو تُبذل ضغوط دولية حاسمة.
