كتب آفي شيلون مقالاً اليوم في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بعنوان "إسرائيل والولايات المتحدة: هكذا تحوّلنا من مكسب إلى عبء"، ترجمته "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، جاء فيه:
أحد الأمور الجوهرية التي كشفتها الحرب يتعلّق باعتماد إسرائيل العميق على الولايات المتحدة. من السهل نسيان ذلك في ظلّ الانتقادات الموجّهة إلى سياسات إدارة جو بايدن المُقيّدة لإسرائيل، لكن في اليوم التالي للهجوم في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وجّه بايدن تهديداً لـ "حزب اللّه" وإيران، "Don’t"، فضلاً عن إرسال حاملات الطائرات إلى المنطقة، ما منح إسرائيل الدعامة الأساسية لمواصلة الحرب، التي كان من الممكن أن تتطوّر بشكل مختلف تماماً من دون هذا الدعم الأميركي الفوري.
وخلال الحرب أيضاً، بدا واضحاً أنه من دون الإمداد المنتظم بالسلاح، حتى لو فُرضت عليه أحياناً قيود معيّنة، والدعم السياسي من الولايات المتحدة، لكان من الصعب على إسرائيل مواصلة القتال. أمّا خلال تبادل الضربات مع إيران، فشاركت الولايات المتحدة فعلياً في القتال إلى جانب إسرائيل، من خلال التصدّي للصواريخ. إسرائيل غير قادرة على الاستمرار من دون أميركا، وهذا واضح لكلّ من يراقب الشرق الأوسط.
إنّ الاعتماد على الولايات المتحدة هو، أولاً وقبل كلّ شيء، نتيجة للأوضاع، فمهما بلغت قوّة إسرائيل، هي محاطة بعدد كبير من التهديدات، فضلاً عن العداء السياسي العالمي. في الواقع، كان التحالف مع قوّة عظمى جزءاً من الاستراتيجيا السياسية - الأمنية لإسرائيل منذ تأسيسها، فمنذ أيام دافيد بن غوريون، ربطت إسرائيل نفسها بتحالف مع قوّة عظمى لمواجهة طيف واسع من التهديدات: في خمسينات القرن الماضي وبداية الستينات، كانت إسرائيل تتّكل على فرنسا، ومنذ ستينات القرن العشرين، أصبحت إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة.
هذا التحالف يمنح إسرائيل مزايا هائلة: تكنولوجية، وعسكرية، واقتصادية، وسياسية، لكنه في الوقت عينه، يُلزم إسرائيل أخذ المصالح العالمية للولايات المتحدة في الاعتبار. يجب على القائد الإسرائيلي الحكيم أن يعرف، ليس فقط كيف يناور بين هذه العوامل، بل أيضاً كيف يربط بين المصالح المشتركة.
وحقيقة أن الولايات المتحدة تبدو الآن كأنها تتحرك بشكل منفصل عن مصالح إسرائيل، أو حتى ضدّها، تنبع في جوهرها من غياب استراتيجيا واضحة لإسرائيل منذ بداية الحرب، باستثناء السعي نحو "نصر كامل" على "حماس". وهكذا تتحوّل إسرائيل، التي تُعتبر ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة باعتبارها القاعدة الأكثر استقراراً وقوّة في المنطقة، إلى عبء أكثر من كونها مكسباً لأميركا.
منذ اللحظة الأولى، سعت إدارة بايدن إلى استثمار الحرب من أجل تحقيق نصر استراتيجي، لكن إسرائيل واصلت تركيزها على تحقيق "نصر كامل" في غزة. وعندما دخل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان من الواضح أنه، إلى جانب تصريحاته الحماسية الداعمة لإسرائيل، عيّن عدداً من الانعزاليين في مناصب رئيسية في إدارته، وكان أثبت سابقاً أنه كثير التهديد، لكنه من حيث المبدأ، يعارض الدخول في حروب، ولا سيّما الطويلة منها، فمن وجهة نظره، هي تتسبّب في تبديد للموارد يمكن تفاديه من خلال التوصل إلى اتفاقات، من دون إطلاق رصاصة واحدة.
كان على إسرائيل أن تدرك أيضاً أن أيّ رئيس أميركي، منذ جورج بوش، مروراً بأوباما، وترامب في ولايته الأولى، وصولاً إلى بايدن، لا يرغب في خوض حرب مع إيران، وأن الجميع يفضّل اتفاقاً معها، لذلك، كان يُفترض أن تستغل إسرائيل ولاية ترامب لعقد تفاهمات مع الدول العربية، بما في ذلك سوريا، وأيضاً في غزة، بشروط كان من الصعب عليها تحصيلها في عهد بايدن.
لكن هذا لم يحدث، فكما لم تطلب إسرائيل من بايدن سوى مزيد من الدعم العسكري، اكتشف ترامب أيضاً أن إسرائيل غير معنية بالمشاركة في مشروعه الاقتصادي - السياسي لدفع الشرق الأوسط نحو حقبة جديدة. وهكذا، فإن إسرائيل ترفض في الواقع مساعدة نفسها، بما في ذلك في مسألة تحرير المخطوفين.
والمفارقة المؤسفة هي أن الولايات المتحدة تتحرك الآن بمعزل عنّا، ليس بسبب بايدن، ولا بسبب ترامب، بل في الأساس لأن الحكومة الإسرائيلية لا تساعد الولايات المتحدة في الدفع باستراتيجيا تخدم مصالحنا نحن.