جورج الأسد

من الانتخابات البلدية إلى النيابية

3 دقائق للقراءة

إجمالاً، تعزو الصحافة الغربية تدنّي نسبة المقترعين في بلدانها عند حدوثها إلى ظاهرة تُسمّى (voter apathy)، ومعناها في العربية "لامبالاة" أو "عدم اكتراث" أو حتى "خمول" الناخب، وتقوم بتحليل أسبابها.


كانت تجربتي الشخصية في الاقتراع للانتخابات البلدية والاختيارية في مسقط رأسي طرابلس سلسة، إذ إنني شهدت على تعاطي قوى الأمن مع الناخبين بشكل لائق جداً وعلى تعامل رؤساء الأقلام ومساعديهم معهم بكل احترام.


مفترضاً أن واقع الحال كان مماثلاً في الغالب في كافة المراكز، توقّعت أن يفعل تناقل مثل هذه التجارب الإيجابية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي فِعله، فيتشجّع الناخبون المتريّثون للإقبال على التصويت.

أتت الخيبة عندما أغلق اليوم الانتخابي على نسبة مشاركة متدنية في طرابلس والميناء بلغت 26.70 % مقابل 40 % في انتخابات العام 2016 التي سبقتها.


سُجُلَت نسب متدنية أيضاً في غير طرابلس. تعدّدت التفسيرات وأحدها عامل مهم ألا وهو هجرة الشباب والكفاءات البشرية بشكل مضطرد وزائد خلال السنوات التسع الفاصلة، وخاصةً في عز تكشّف تداعيات الأزمة المالية على اللبنانيين، إذ سجّلت الهجرة على المستوى الوطني قفزة مذهلة بين عامي 2020 (17721 شخصاً) و 2021 (79134 شخصاً)! وطبعاً كان لطرابلس حصّتها في ذلك نظراً لوضعها الاقتصادي المزري المعروف (الأرقام نقلاً عن دراسة لشركة "الدولية للمعلومات" في 2022 استندت إلى احصائيات المديرية العامة للأمن العام).


تمخّضت الانتخابات البلدية في البلاد فولدت فوز مرشحي السياسيين والأحزاب عامةً، وخسارة مرشحي الحراك المدني الذي كان قد سجّل نجاحات ملموسة في انتخابات 2022 النيابية. ويمكن في نطاق التحليلات أن تُرَد لامبالاة الناخبين إلى أن المجتمع المدني قد تشتّت ولم يقدّم الخطاب الجامع والمقنع، ففقد تأثيره في تحفيز الناخبين على الاقتراع بكثرة.


في المحصّلة، فإن التوقعات تشير إلى أنه سيكون للسياسيين والأحزاب اليد الطولى في تقرير نتائج الانتخابات النيابية القادمة بعد عام. خلا أولئك السياسيين "الأوادم" في أنحاء الجمهورية، فإن البلاد لا يجب، لا بل لا تستحق، أن تعود إلى المربّع الأول أو أن تدنو منه حتى، حيث "مكانك راوح" في الوجوه والأنواع والصفقات والفساد، وحيث لا تغيير سيحصل عليه اللبنانيون "إلى ولد الولد" على أقل تقدير.

أملنا الوحيد كمواطنين مستبشرين بغد واعد من خطاب القسم وبيان حكومة العهد الجديد، هو أن يبرهن السياسيون في العام الذي يفصلنا عن الانتخابات النيابية، أنهم قد أقلعوا عن مناكفات تعطيل عمل البلديات التي لا يشكّل الفائزون فيها ممن ساندوهم أكثرية راجحة، وذلك عن طريق تطبيق ممارسة مبدأ ديمقراطي عالٍ ألا وهو الحكم الائتلافي. يوجد في الديمقراطيات الراقية في هذا العالم تجارب ناجحة لائتلافات حكومية تلاقت على الخدمة العامة بكل حس بالواجب وبكل ضمير وإنتاجية. فلنتمثّل بها.


هذا ما نتمنّاه في الشأن البلدي الإنمائي المحلي. وإذا لم يتحقّق ذلك، فالأرجح أن يكون الربح الذي حقّقه السياسيون ظرفياً ويفتح الباب لطاقم جديد من التغييريين لينافسهم بفعالية إثر استخلاصه العبر من فشل الطاقم الحالي، واستفادته المأمولة من "الميغاسنتر" المرجو أن يكون قد دخل إلى حيّز الوجود في ذلك الوقت.