د. أنطوان مسرّه

عندما يتعاطى قانونيّون شؤوناً دستورية!

6 دقائق للقراءة

ربّما تنبع كل مصائب لبنان في جذورها من قانونيين تبرمجوا على ذهنية خصوصية فردية في القانون ويتطفّلون على القانون العام بدون استيعاب فلسفة القانون، إن كان خاصاً أو عاماً. القانون أساساً ينظّم علاقة. وليس القانون خاصاً بالمطلق إلّا في ما يتعلّق بالكرامة الإنسانية وما يرتبط بها مباشرة وحصراً بشأن الحصانة الجسدية intégrité physique والحرية وحقّ الدفاع.


قد تتحوّل العدالة الدستوريّة إلى محكمة عادية بين المحاكم حين تنعدم الأفق الفلسفية والقيمية والمعيارية. تنحرف عندئذ العدالة الدستورية في شؤون إجرائية هي من اختصاص المحاكم العادية. لا تتدخّل العدالة الدستورية في مراجعات طعون في شؤون إجرائية procédurales إلّا إذا كانت الإجراءات مناقضة للكرامة الإنسانية والحريّات العامة وحق الدفاع. قد تشير العدالة الدستورية إلى بعض الإجراءات كمجرّد نصح وتوجيه، وليس إطلاقاً للطعن بدستورية قانون.

***

1. إرادة صريحة في الطعن: إن رئيس الدولة والنوّاب الذين تقدّموا بالطعن بقانون الإيجارات التجارية وصندوق المعلمين طعنوا بقانون منشور واقعاً في الجريدة الرسمية. عبّروا بذلك عن إرادة صريحة في الطعن. هل يُختزل القانون بالشكل أم أن القاعدة المعيارية للقانون تكمن في تعبيره عن إرادة مشرّعين ونوّاب تقدّموا بطعن وكذلك رئيس دولة. لا يتوفر أيّ شك بأن رئيس الدولة قدّم طعناً بقانون صدر في الجريدة الرسمية واطّلع عليه.


2. أصول النشر: هناك طبعاً أصول في النشر. لكنّ قانوني الإيجارات التجارية وصندوق المعلمين لم يصدرا في وسيلة إعلامية، أو في وسائل تواصل اجتماعي، ولا من قبل مكتب استعلامات...، بل في الجريدة الرسمية وما يصدر في الجريدة الرسمية هو رسمي، إلّا إذا تبيّن أن أحد موظفي الجريدة الرسمية تصرّف بشكل شخصي واعتباطي فيلاحق عندئذ حسب الأصول الإدارية.

تأكيداً على وضوح إرادة المشرّع في الإصدار والنفاذ أصدر المجلس النيابي اللبناني تعديلاً على قانون صندوق المعلمين الصادر سابقاً في الجريدة الرسمية مع الإقرار تالياً من المجلس النيابي بالذات بالطابع الرسمي لنشر القانون في الجريدة الرسمية! أصدر المجلس النيابي القانون رقم 5 (الجريدة الرسمية، 16/5/2025) حول تعديل بعض أحكام القانون النافذ حكماً رقم 2 الصادر بتاريخ 3/4/2025 المتعلّق بالهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وتنظيم الموازنة المدرسية.


ما معنى رسمي الذي توسّع في شرحه الآباء المؤسّسون عالمياً في القانون؟ العدالة الدستورية مولجة أساساً بضمان سمو الدستور، وليس إعلاء تدبير إجرائي ختامي إلى المرتبة العليا في سلم القيم الناظمة للحياة العامة. عندما ينحصر قانون في شأن إجرائي مع تجاهل قاعدته المعيارية يتحوّل إلى وسيلة مخادعة escroquerie juridique، juridisme، إذ يندرج الإجراء procédure في سياق متكامل:

“La procédure s’entend, au sens étroit, d’un ensemble d’actes ou formalités dont l’accomplissement permet à une juridiction de trancher une question juridique” (Jean-Paul Andrieux, « Formes et procédures », ap. Denis Alland et Stéphane Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, Lamy-PUF, 2003, 1650 p., pp. 747-752, p. 751).


3. عبء كل المسؤولية الدستورية على حكومة تصريف الأعمال: يقع كل عبء المسؤولية الدستورية الإجرائية في الإصدار على حكومة تصريف الأعمال في مجمل الفترة الزمنية في الفراغ في رئاسة الدولة والحكومة انطلاقاً من مفهوم معاصر لتصريف الأعمال:


Elysée Kodjo Hathor, “Le gouvernement d’affaires courantes, une notion en voie de disparition?», Revue française de droit constitutionnel, no 133, 2023, pp. 1-23 (cas du Togo et Pays-Bas).


يفقد القانون لدى قانونيين صفته المعيارية ويتحوّل إلى أداة تبرير وهروب من صلابة الموقف. يمكن تصنيف كل القوانين في ثلاث فئات:

- القوانين الإجرائية procédurales التي تحدّد مهلاً وإجراءات لأهداف إدارية وعملانية.


- قوانين الأعمال droit des affaires التي ترتكز على مبدأ التوازن التعاقدي équilibre contractuel في الأخذ والعطاء.


- القوانين العقائدية droit doctrinal التي تشمل أكثر من 80 % من القوانين لأن منطلقها مبادئ حقوقية فلسفية قيمية معيارية دينية أخلاقية ديمقراطية. تشمل هذه التشريعات تالياً الدساتير وقوانين الإدارة العامة والعقوبات والعائلة والشؤون الاجتماعية والبيئة والصحة والتربية والإعلام...


4. طابع دستوري وثقافي - تربوي لقرارات العدالة الدستورية: طوال ولاية المجلس الدستوري في السنوات 2009-2019، كان يتم غالباً التركيز على أن هدفية العدالة الدستورية هي دستورية وثقافية - تربوية حرصاً على نشر ثقافة سمو الدستور في المجتمع. أين الجانب الدستوري ثقافياً في حال ردّ طعن مقدّم من رئيس دولة ونوّاب مع الحيثية أنّ القرار المنشور هو... غير منشور!


5. نظرية الواقعية الحقوقية: أياً كانت التحفظات حول نظرية "الواقعية الحقوقية" التي توسّع في شرحها أساساً حقوقيون من اسكندنافيا ثم عديدون:

Michel Troper, « Le réalisme et le juge constitutionnel », Cahier du Conseil constitutionnel, no 22, Dossier : Le réalisme en droit constitutionnel, juin 2007.


Véronique Champeil – Desplats et al., « L’intégration scientifique du droit face au réalisme juridique », Revue du droit public et de la science politique en France et à l’étranger, no 1/2025.


Eric Millard, « Réalisme », ap. Denis Alland et Stéphane Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, Lamy-PUF, 2003, 1650 p., pp. 1297-1299.

***

إن اعتبار ما نشر رسمياً في الجريدة الرسمية أنه "لم ينشر" حسب الأصول يندرج في أدنى مستويات السطحية في أي اجتهاد دستوري. لا تعني الواقعية الحقوقية إطلاقاً خضوع القانون للواقع، بل مقاربة الواقع في طبيعته الشمولية أساساً والأخذ بالاعتبار التدرّج في سلّم القيم.


أين موقع سمو الدستور حين تتوقف عدالة دستورية على مجرّد إجراء في نشر قانوني الإيجارات التجارية وصندوق المعلمين؟ إنها الظاهرة الأبرز أن اللبنانيين لديهم دستور عريق في نصه وتاريخيته. أما الثقافة الدستورية فهي غالباً في كوكب آخر!


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019