الدكتور أنور صيّاح

سلسلة: نحو الإنسانية (4)

الحرية قبل اليقين... عندما تصبح الأجوبة أخطر من الأسئلة

9 دقائق للقراءة
الحرية قبل اليقين: عندما يصبح السؤال أثمن من الجواب

بعد أن توقفنا في المقال "نحو الإنسانية" عند السؤال المؤسس لهذه السلسلة: لماذا نعود دائماً إلى الإنسان؟ وانتقلنا إلى أسئلة متتابعة حاولت أن تعيد الإنسان إلى مركز النقاش.

ففي المقال الأول، دافعنا عن الإنسان في مواجهة تحوّل العقيدة إلى غاية بحد ذاتها.

وفي المقال الثاني، دافعنا عن الأخلاق في مواجهة الاكتفاء بالقوانين والأنظمة.

وفي المقال الثالث، دافعنا عن المواطنة في مواجهة الانتماءات التي قد تختزل الإنسان داخل حدود الجماعة.

لكن سؤالاً جديداً يفرض نفسه اليوم:

إذا كان الإنسان هو الغاية، وكانت الأخلاق هي البوصلة، وكانت المواطنة هي الإطار الذي يجمع المختلفين، فما الذي يمنع الإنسان أحياناً من أن يكون حراً؟

قد يبدو الجواب بسيطاً:

الخوف.

لكن الخوف من ماذا؟

من السلطة؟

من العقاب؟

من المجتمع؟

ربما.

لكن هناك خوفاً أعمق من ذلك كله:

الخوف من الشك.

فالإنسان لا يتمسك بيقينه لأنه صحيح دائماً، بل لأنه يمنحه شعوراً بالاستقرار وسط عالم مليء بالغموض والتعقيد والتغير.

ولهذا السبب لا يكون الصراع دائماً بين الحرية والاستبداد، بل أحياناً بين الحرية واليقين نفسه.

فالحرية تدعونا إلى السؤال.

أما اليقين المطلق فيدعونا إلى التوقف عن السؤال.

وهنا تبدأ واحدة من أعمق المفارقات في التجربة الإنسانية:

كثيراً ما يخسر الإنسان حريته، لا عندما تُسلب منه، بل عندما يتخلى عنها طوعاً مقابل شعور مريح باليقين.


لماذا اليقين؟

قد يتساءل القارئ: لماذا اختيرت كلمة "اليقين" تحديداً في عنوان هذا المقال؟

ولماذا لم يكن العنوان "الحرية قبل الطاعة" أو "الحرية قبل الخضوع" أو "الحرية قبل التبعية"؟

وذلك لأن الطاعة والخضوع والتبعية ليست سوى نتائج، أما اليقين المطلق فهو الجذر الذي قد تنمو منه تلك النتائج جميعاً. فالإنسان لا يتوقف عن التفكير لأنه أُُمر بذلك فقط، بل أحياناً لأنه يعتقد أنه لم يعد بحاجة إلى التفكير، ولا يتخلى عن السؤال لأنه مُنع من طرحه، بل لأنه اقتنع بأن جميع الأجوبة أصبحت معروفة مسبقاً، ومن هنا تكمن المفارقة.

الحرية لا تبدأ عندما نمتلك كل الإجابات، بل عندما نحتفظ بالشجاعة اللازمة لمراجعتها الدائمة أما اليقين المطلق، فغالباً ما يكون اللحظة التي تتوقف فيها الأسئلة، ويتوقف معها جزء من حريتنا.

الحرية تتطلب شجاعة، أما اليقين فيمنح الطمأنينة.

الحرية مسؤولية، أما اليقين فملاذ.

الحرية تفتح الباب، أما اليقين المطلق فيغلقه.

ولهذا كان الصراع بين الحرية واليقين من أقدم الصراعات في تاريخ الفكر الإنساني.


الحرية والحاجة إلى الطمأنينة

في جوهر الأمر، لا يدور الصراع بين الحرية واليقين حول المعرفة بقدر ما يدور حول الطمأنينة.

فالإنسان لا يبحث دائماً عن الحرية فقط؛ بل يبحث أيضاً عن الأمان.

الحرية قد تكون مقلقة، أما الطمأنينة فمريحة.

الحرية تفتح أبواباً جديدة للأسئلة، أما الطمأنينة فتعمل لإغلاقها.

ولهذا يميل كثير من البشر، من حيث لا يشعرون، إلى تفضيل اليقين على الحرية، فالحرية تطلب منهم أن يفكروا، أن يختاروا، وأن يتحملوا مسؤولية اختياراتهم؛ أما اليقين فيمنحهم شعوراً مريحاً بأن الطريق معروف، وأن الأجوبة جاهزة، وأن عبء البحث قد انتهى، وربما يمكن اختصار هذه المفارقة كلها بجملة واحدة:

الحرية تبحث عن الحقيقة... أما اليقين فيبحث عن الطمأنينة.

الحرية لا تمنح الإنسان الحقيقة، لكنها تمنحه حق البحث عنها، أما اليقين المطلق، فيمنحه شعوراً بأن البحث قد انتهى.

ولهذا السبب تكون الحرية أكثر إرهاقاً، لكنها أكثر إنسانية.

ويكون اليقين أكثر راحة، لكنه قد يتحول أحياناً إلى سجن غير مرئي يمنع الإنسان من مواصلة البحث والنمو والاكتشاف.


سقراط (Socrates): بداية الحرية

يُنسب إلى سقراط (Socrates) قوله الشهير: "كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً." ولم تكن هذه العبارة اعترافاً بالجهل، بل إعلاناً للحرية، ففي نظر سقراط، تبدأ الحكمة عندما يدرك الإنسان حدود معرفته، أما اليقين المطلق، فهو اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن النمو. ولهذا لم يكن سقراط يقدّم الأجوبة بقدر ما كان يطرح الأسئلة، لأنه كان يعلم أن الإنسان لا يصبح حراً عندما يجد كل الإجابات، بل عندما يملك الشجاعة لطرح الأسئلة.


الشك الذي يبني

بعد قرون، بنى رينيه ديكارت (René Descartes) مشروعه الفلسفي على فكرة بدت صادمة في زمانه: "الشك." لكنه لم يشك ليهدم الحقيقة، بل ليصل إليها، فالعقل الذي يخاف من السؤال لا يستطيع الاقتراب من الحقيقة، والفكرة التي تنهار أمام المراجعة لم تكن راسخة منذ البداية.

وبعده بقرون، سيذهب كارل بوبر (Karl Popper) أبعد من ذلك، معتبراً أن الفرق بين الفكر الحي والفكر الجامد هو أن الأول يقبل احتمال الخطأ، بينما الثاني يعتبر نفسه معصوماً.

فالتقدم لا يبدأ عندما نعتقد أننا نمتلك الحقيقة كاملة، بل عندما نعترف "بحرّية" بإمكانية أن نكون مخطئين.

كما يرى جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) في كتابه الشهير "عن الحرية" (On Liberty) أن إسكات رأي واحد قد يحرم البشرية من فرصة الاقتراب أكثر من الحقيقة، لأن حتى الرأي الخاطئ قد يحمل جزءاً منها.


من اليقين إلى القطيع

قد تبدو كلمات مثل "التبعية" أو "الامتثال" أو "القطيع" أحكاماً قاسية على المجتمعات لقياس نسبة الحرية، لكنها في الحقيقة تصف ظواهر إنسانية رافقت البشر منذ بداية التاريخ؛ فالإنسان يحتاج إلى الانتماء كما يحتاج إلى الأمان، ولا تكمن المشكلة في الانتماء إلى جماعة أو فكرة أو عقيدة، بل في اللحظة التي يتوقف فيها الفرد عن التفكير خارج حدود ما تؤمن به الجماعة.

فالانتماء هو أن تكون جزءاً من جماعة مع احتفاظك بحريتك، أما التبعية فهي أن تتنازل عن جزء من هذه الحرية لمصلحة الجماعة.

والامتثال هو أن تتبنى رأي الجماعة أو سلوكها حتى عندما لا تكون مقتنعاً به بالكامل.

أما القطيع فهو الحالة التي يختفي فيها السؤال الفردي تماماً، ويصبح الإنسان جزءاً من حركة جماعية لا يسأل عن اتجاهها بقدر ما يحرص على ألا يخرج عنها.

ولهذا لا يولد القطيع من الشر، بل من الخوف.

الخوف من الاختلاف.

الخوف من العزلة.

الخوف من الخطأ.

والأهم: الخوف من مسؤولية الحرية نفسها.


لماذا نهرب من الحرية؟

كان الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد (Søren Kierkegaard) يرى أن الحرية تبدأ من الفرد لا من الحشد.

ولهذا كان يحذر من ذوبان الإنسان داخل الجماعة إلى درجة يفقد معها مسؤوليته الشخصية، فالحشد لا يفكر كما يفكر الأفراد، ولا يشعر بالمسؤولية كما يشعر بها الفرد الحر.

أما إريك فروم (Erich Fromm)، ففي كتابه الشهير "الهروب من الحرية" (Escape from Freedom)، يقدم تفسيراً نفسياً عميقاً لهذه الظاهرة؛ فكثير من الناس لا يخافون الاستبداد بقدر ما يخافون الحرية نفسها.

فالحرية تعني المسؤولية، والمسؤولية تعني اتخاذ القرار، واتخاذ القرار يعني احتمال الخطأ؛ ولهذا يفضّل بعض البشر أن يسلموا قراراتهم لزعيم، أو حزب، أو جماعة، أو رأي عام "جاهز." ليس لأنهم يفتقرون إلى الشجاعة دائماً، بل لأن اليقين يمنح راحة لا تمنحها الحرية.


لبنان: عندما يصبح السؤال تهمة

ولعل لبنان يقدم مثالاً مؤلماً على ذلك، ففي كثير من الأحيان، لا يُكافأ الإنسان على طرح السؤال، بل على ترداد الجواب المعروف مسبقاً، وحين يشكك أحدهم في فكرة موروثة، أو ينتقد زعيماً او جماعة او حزب، أو يعيد النظر في قناعة قديمة، يُنظر إليه أحياناً وكأنه خرج عن الصف؛ وكأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بحرية التفكير، بل بدرجة الامتثال.

لقد ورث اللبنانيون عبر عقود طويلة قناعات سياسية وطائفية واجتماعية عديدة، وليس في ذلك مشكلة بحد ذاته؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى يقين مغلق، ويصبح السؤال نوعاً من الخيانة، ويصبح التفكير المستقل سبباً للريبة.

في تلك اللحظة لا يعود الخلاف بين اللبنانيين خلافاً حول الأفكار وعصف ذهني يعتمد على الحرية، بل صراعاً بين "يقينيات متقابلة"، يعتقد كل منها أنه يمتلك الحقيقة كاملة.

وربما لهذا السبب ينجح اللبنانيون غالباً في اللقاء حول ما يجمعهم، ويفشلون أحياناً عندما يتحول كل يقين إلى حدود تفصل بينه وبين الآخر؛ فالمشكلة ليست في الاختلاف، بل في الاعتقاد أن الاختلاف مستحيل.


من العقيدة إلى المواطنة... والعودة إلى الحرية

يمكن للعقيدة أن تفقد بعدها الإنساني عندما تتحول إلى يقين مغلق، ويمكن للقانون أن يفقد روحه عندما يُطاع دون أن يمر عبر الضمير، ويمكن للانتماء أن يتحول إلى جدار عندما يعتقد كل طرف أنه يمتلك الحقيقة وحده.

أما اليوم، فنحن نعود إلى الجذر المشترك لكل ذلك: اليقين الذي يتوقف عنده السؤال.

فربما لم تكن المشكلة يوماً في العقيدة أو القانون أو الحزب او الطائفة بحد ذاتها، بل في اللحظة التي يتحول فيها أي منها إلى يقين نهائي لا يسمح بالمراجعة أو النقد أو الحوار. عندها لا نفقد الحقيقة فقط، بل نفقد شيئاً أعمق: حريتنا في البحث عنها.


أين يلتقي اليقين والحرية؟

ليس المقصود من هذا المقال أن يعيش الإنسان بلا يقين، فالإنسان يحتاج إلى قناعات كما يحتاج إلى الاتجاه، ويحتاج إلى مبادئ كما يحتاج إلى البوصلة؛ لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اليقين من نقطة ارتكاز إلى نقطة توقف. حين تصبح القناعة نهاية للتفكير لا بدايته، وحين يتحول الجواب إلى سبب لإغلاق السؤال، في تلك اللحظة لا يعود اليقين مصدر قوة، بل يصبح قيداً غير مرئي.

أما الحرية فلا تطلب من الإنسان أن يهدم قناعاته، بل أن يبقى قادراً على مراجعتها الدائمة، ولا تطلب منه أن يتخلى عن إيمانه، بل أن يميّز دائماً بين الإيمان بالحقيقة وادعاء امتلاكها كاملة.


الخاتمة

وهكذا تستمر خيوط هذه السلسلة في الالتقاء عند الفكرة نفسها، فالإنسان قبل العقيدة، والأخلاق قبل القوانين، والمواطنة قبل الطائفة، والحرية قبل اليقين.

لأن الإنسان لا يفقد حريته فقط عندما يُمنع من الكلام.

بل قد يفقدها أيضاً عندما يتوقف عن السؤال.

وعندما يعتقد أنه امتلك الحقيقة كاملة.

وعندما يستبدل مشقة التفكير براحة اليقين.

فالحرية ليست أن نملك جميع الأجوبة.

بل أن نمتلك الشجاعة لنعيش بعض الأسئلة.

لأن الطريق إلى الحقيقة لا يبدأ باليقين، بل يبدأ... بحرية الشك والسؤال.