لو قيل لأحدٍ ما، إنّ متحفاً مخصَّصاً للفاكهة يمكن أن يكون ممتعاً بِقدر متحف للفن أو للتاريخ الطبيعي، فقد يرفع حاجبَيه مشكِّكاً. ومع ذلك، في قلب مدينة تورينو الإيطاليّة، وفي مبنى جامعي أنيق من القرن التاسع عشر، سيدهشه "متحف الفاكهة" (Museo della Frutta)، ويبهره، ويمتعه، ويعلّمه، بقدر متساوٍ. هذا المكان الغريب هو بمثابة أنشودة للتنوّع البيولوجي، والانضباط العلمي، والخيال الجامح لرجل واحد: فرانشيسكو غارنييه فالِّيتي.
افتُتح هذا المتحف الفريد في 12 شباط 2007، في "قصر المعاهد التشريحية" (Palazzo degli Istituti Anatomici)، وهو مبنى جامعي يقع في حيّ سان سالفارو. لكنّ تاريخه يعود إلى زمن أسبق بكثير. قلب المتحف فيه مجموعة استثنائية من أكثر من 1200 ثمرة اصطناعية، جمعها في القرن التاسع عشر رجل يحمل اسماً يكاد يكون لذيذاً جداً، إنه فرانشيسكو غارنييه فالِّيتي (1808–1889).
فالِّيتي، وهو نحّات شمع إيطالي، وكيميائي، ومخترع عصامي، كرّس حياته لإعادة إنتاج الفواكه المزروعة في إيطاليا بدقّة واقعيّة مدهشة. لماذا؟ كي يوفّر للمهندسين الزراعيّين، والبستانيّين، والعلماء، أداة مرجعية موثوقة لدراسة أنواع الفواكه المختلفة ومقارنتها وتصنيفها. طموحٌ يقع بين تقاطع العلم والحرفيّة والشغف الخالص، وقد جعل من هذا المشروع الشخصي مهمّة علميّة وثقافيّة حقيقيّة، أدت إلى إنشاء إرث لا يزال يُثير الإعجاب حتى اليوم.
حرفيّ مهووس بالكمال
لم يكن فالِّيتي فنّاناً كغيره، إذ كان يقضي ساعات في مراقبة ثمرة إجاص أو عنقود عنب أو تفاحة، يتأمّل عروقها، وبقعها، وشكلها، ولونها، قبل أن يعيد إنتاجها باستخدام مزيج من الشمع والراتنج والجبس من ابتكاره الخاص. كان هذا الخليط مَرِناً عند التسخين، ومتيناً للغاية بعد التبريد، ما أتاح له الوصول إلى دقة استثنائية. بعد ذلك، كان يستخدم تقنيّات متطوّرة في التلوين والتلميع، للحصول على نتيجة "أكثر واقعيّة من الواقع".
ويُقال إنه كان يقضي أياماً عدّة في صنع ثمرة واحدة، رافضاً تسليمها ما لم تكن مطابقة تماماً للنموذج الحقيقي. والنتيجة؟ نُسخ واقعيّة طبق الأصل، لدرجة أنّ المرء قد يضطر إلى لمس الثمرة للتأكّد أنها ليست ثمرة حقيقية. كان عمله يعكس دقّة علميّة لا مثيل لها، إلى جانب حِرفية فنّية متقدّمة. وقد تطلّب منه ذلك صبراً هائلاً، ومهارة عالية في التشكيل والتلوين والتعامل مع المواد الكيميائيّة التي كان يطوّرها بنفسه. وهو ما جعله رائداً في فن التوثيق النباتي.
مجموعة مذهلة
في واجهات العرض السوداء بالمتحف، تُعرض فواكه فالِّيتي بعنايةٍ توازي عرض المجوهرات العتيقة. هناك مئات الأصناف من التفاح والإجاص والبرقوق والدّراق والمشمش والتين، وأكثر من 600 صنف من العنب! كلّ ثمرة مرفقة باسمها، والإسم غالباً ما يكون شاعرياً، كالإجاص: "ألكسندرين دويار"، أو التفاح: "أدميرابل رايسكن".
لكنّ المتحف لا يقتصر على هذه الفواكه الاصطناعية، فهو يحتفظ أيضاً بأكثر من 12 ألف رسم ومخطّط وملاحظة علميّة توثّق الانضباط العلمي لفالِّيتي ومعاصريه. ويُخصّص جزء من القاعات لإعادة تشكيل "مختبرات المحطة الملكيّة للكيمياء الزراعيّة"، وهي مؤسّسة أُنشئت في العام 1871، لدراسة التركيب الكيميائي للمنتجات الزراعية. وهناك تُعرض الأدوات والمنهجيّات والتحديات التي واجهها الباحثون الزراعيّون في مطلع القرن العشرين.
مخطوطة الأسرار
من بين الكنوز الأكثر إثارة للدهشة في المتحف، ثمّة مخطوطة سميكة من 732 صفحة، كتبها فالِّيتي بنفسه، وتحمل عنواناً بسيطاً: "مجموعة من كلّ أنواع الأسرار" (Raccolta di ogni sorta di segreti). هي بمثابة كتاب علمي وحِرفي سحري، يحتوي على وصفات ونصائح وصيغ كيميائية وملاحظات عملية في مجالات متنوعة، مثل حفظ الطعام، وصناعة العطور، وتقنيّات الرسم. ويُظهر هذا الكتاب، مدى اتساع معارف فالِّيتي وشغفه بالتجربة والابتكار، إذ كان يدوّن ملاحظاته بشغف واضح، ويجمع المعارف المكتسبة من خلال العمل الميداني والملاحظة الدقيقة.
وَحْيٌ في المنام
تزيد حكاية غريبة من ثراء أسطورة هذا الأستاذ في الشمع. ففي العام 1858، يُقال إن فالِّيتي حلم بطريقة جديدة لتشكيل الفاكهة. في نومه، رأى بوضوح كيفية مزج الشمع بالراتنج والجبس، للحصول على مادة أكثر صلابة من أي شيء استخدمه سابقاً. وما إن استيقظ، حتى طبّق ما رآه في منامه، فنجح على الفور. قد يبدو الأمر طريفاً، لكن عند رؤية النتائج، لا يسع المرء إلا أن يعترف بعبقريته. وتبرز هذه القصة الطابع الغامض والإبداعي لفنان لا يعرف حدوداً، يستلهم من الأحلام كما يستلهم من الطبيعة. إنها لمسة شاعرية تضفي على عمله طابعاً أسطورياً.
متحف ممتع وشهي
اليوم، لا يقتصر زوّار "متحف الفاكهة" على العلماء، بل يستقطب الأطفال والكبار، ومحبّي الغرائب، وعشاق الطبيعة، وحتى السّياح الفضوليّين. ويسعى المتحف أيضاً ليكون فضاءً للتفكير في قضايا التنوّع البيولوجي اليوم، والحفاظ على الأنواع الفاكهيّة، والعلاقة بين العلم والثقافة.
لكن، فوق كل شيء، يثير شعوراً فريداً جداً، العودة إلى الطفولة. عند النظر إلى واجهات العرض المليئة بثمار متعدّدة الألوان، يشتهي المرء قضمها، بينما هي مصنوعة من الشمع و "مسحوق الحلم". هذا الشغف البريء، ومتعة العين، هما ما يمنحان هذا المكان سحره الخاص.
معارض معاصرة
المتحف لا يعيش في الماضي فقط، فهو يستضيف بانتظام معارض موقتة. في العام 2023، عرض الفنان الهولندي إريك كيسيلز أعماله تحت عنوان "تفاح وإجاص" (APPLES and PEARS)، وهي تركيب فنّي معاصر يلعب على موضوعات التمثيل، والذاكرة، وشاعرية التفاهة المرتبطة بالفاكهة. إنها طريقة ذكيّة لتمديد الحوار بين الحرفة التقليدية والإبداع الفني المعاصر. وتُعتبر هذه العروض جسوراً تربط بين الماضي والمستقبل، وتُعطي للمكان حيوية مستمرة، تُغني التجربة الثقافية للزوار.
يُشرف على "متحف الفاكهة" اليوم، "قسم العلوم الزراعية والغذائيّة والبيئيّة" في "جامعة تورينو"، وهو يُعدّ من أهم المراكز الإيطالية التي توثق تاريخ الزراعة. وتضمّ المجموعة التي أنشأها فالِّيتي، بين عامَي 1867 و1887، ثماراً مصنوعة بِدقّة تُظهر حتى أصغر العيوب على القشرة، ما يجعلها أدوات تعليميّة وعلميّة لا تُقدَّر بثمن. وقد اعتمد المتحف أساليب عرض تفاعلية حديثة تُسهم في إشراك الزائرين، خصوصاً الأطفال، في فهم أهمية حفظ التنوّع الوراثي الزراعي. كما يُعدّ المتحف وجهةً رئيسية للباحثين في مجالات علم النبات، وتاريخ الغذاء والفن التطبيقي في إيطاليا.
"متحف الفاكهة" أكثر بكثير من مجرّد غرفة عجائب، إنه غوص علميّ وبهجة في تاريخ العلم وجمال الأشكال الطبيعية، وعبقرية رجل آمن بقوّة المعرفة والدقة. عند الخروج من قاعاته الهادئة، تصبح النظرة إلى الفواكه مختلفة. لا يعود يراها المرء كطعام فقط، أو كأشياء يوميّة، بل كشاهد على تنوّع بيولوجي ثمين، وعلى حِرفة في طريقها إلى الاندثار. ويبدأ الزوار بالحلم هم أيضاً، بإمكانية التقاط جزء من الطبيعة... في الشمع.
ثلاثية مَتحفيّة مذهلة يقع "متحف الفاكهة" على بُعد خطوات قليلة من متحفَين آخرَين لا يقلّان إثارة عنه: "متحف التشريح البشري"، و "متحف الأنثروبولوجيا الجنائية سيزار لومبروزو". ثلاثيّة مَتحفيّة مدهشة تجمع بين الجسد البشري، والسلوك المنحرف، والخوخ المصنوع من الشمع. ولا شك أنّ مدينة مثل تورينو فقط، يمكن أن تحتضن برنامجاً كهذا، يمزج بين الجمال والعلم والدهشة. |