نديم البستاني

ليس حباً بالمناصفة بل كرهاً بالفدرالية – مأساة بلدية بيروت (الجزء الأول)

6 دقائق للقراءة

سنة 1909 نشر أسعد رستم قصيدة "بلدية بيروت انتحست" في جريدة البرق بهدف انتقاد الأوضاع الإدارية وفضح الفساد والبيروقراطية، والشكوى من تدهور الخدمات البلدية وانتشار الحفر وسوء النظافة، وقد ختمها عبر القول: "لا شيء تغيّر في البلد... من عهد الجدّ إلى الولد... حتّى الحرّية يا سندي... وضعوا في يدها الأغلال... نشلوها وغنّوا يا لالا". فدعنا من وهم التغيير، حين تكون انتخابات العاصمة خالية من الفكر الإنمائي، ويُختصر طرحها بعدم التشطيب، ليس حباً بالمناصفة بل كرهاً بالفدرالية.


أستذكر أنه ذات عشية للانتخابات سألني أحد كبار المؤرخين السنّة البيارتة من أرى الأفضل من المرشحين المسيحيين على البلدية، فقلت له أي مرشح لا يعرفه من يفترض أن يصوت له، لا حيثية له ولا صفة تمثيلية، وبالتالي لا يستحق الفوز ولو مهما كانت مزاياه الشخصية جيدة. وافقني، فأجابني: "إن معظم البيارتة لا يعرفون المرشحين لا المسيحيين ولا حتى السنّة". فأي انتخابات معلبة هذه، أن تضحى الفلسفة السياسية محصورة بقضية عدم التشطيب، في مقابل انتفاء الحيثية المحلية للمرشحين، وبقائهم مجهولين من الجمهور العريض حتى في خضم الحملة الانتخابية، وأي رقيّ هذا أن يغيب اعتماد المشاريع المتكاملة، وأن ينتفي التجانس ومفهوم فريق العمل، وأن يكون معيار الاختيار لا على أساس خطاب المرشحين وانتمائهم وطروحاتهم ومآثرهم، لا بل فقط على أساس عملية حسابية فارغة من المضمون.


إن كل القيم الضابطة لمفهوم اللامركزية الإدارية، وإنتاج السلطة المحلية، قد تم الدوس عليها، وسيتم الدوس عليها في شتى الاستحقاقات طالما أن النظام أكثري لشعب تعددي. فما يهم هو تعليب الاستحقاق على عجالة واعتماد مناصفة حسابية مطعمة ببعض الوجوه المعروفة في بيروت، فيما الباقي اجتلب من العائلات الكبرى بحسب تبعية الطاعة الشخصية للمرجعية السياسية، وحبذا وألف حبذا لو كان ذلك على أساس النشاط الحزبي الفاعل، لكان من الممكن أقله تكوين أي موقف من المرشحين آنذاك. أكثر منه بعد، يسجل أن البعض من المرشحين المسيحيين الذين تم إسقاط أسمائهم بالمظلات على اللوائح لا يقيمون أصلاً في بيروت ولا يهتمون البتة إلى أي شأن من شجون أهالي أحيائها، وكأن بهم مجرد أغراض للزينة السياسية.


المعضلة أن عدد الناخبين في بيروت يبلغ 514,000 شخص، حيث تبلغ نسبة المسلمين 66,5 % غالبيتهم الساحقة من السنّة، وأما نسبة المسيحيين فتبلغ 33,5 %، فيما بيروت مقسمة بين شرقية وغربية منذ الزمن العثماني، على أساس التوزيع الطائفي. حتى إن حدود القائمقاميتين كانت تمر في طريق الشام، وهذا الطريق لا يزال خطاً فاصلاً حتى يومنا الراهن بعد أكثر من 182 سنة!! وإن الدينامية المجتمعية لم تخرج قط عن هذا الإطار، وتقدم الزمن لم ينتج الإختلاط والتجانس بل راح يدلل على مزيد من الفرز وتكوكب كل طائفة على نفسها وضمن منطقتها، أكان في زمن الحرب أو حتى في زمن السلم، وهواجس الأقلية المسيحية هي ذاتها بالرغم من تجاوز لبنان الكبير مئويته الأولى، والهويات التعددية ما زالت حاضرة، دون أن تقدر هوية بيروتية واحدة من دمجها، فلا التاريخ مشترك، ولا الطموحات الجماعية مشتركة، ولا المآثر، أو النظرة إلى المستقبل، أو الهموم اليومية، أو طريقة الحياة والثقافة، أو الدورة الاقتصادية، أو تنظيم الطرقات والمناظر العامة وهندسة المباني، وحتى اللهجة مختلفة.


ألم يخطر ببالنا مثلاً أن نسأل لماذا كل كبار صناع الحلويات العربية في بيروت هم من السنّة؟! إن كانت مئة سنة من تاريخ لبنان الكبير ومن التغني بوحدة بيروت قد عجزت عن تسلل البقلاوة بين خطوط التماس، فما بالك بسائر القضايا الأكثر خطورة والأكثر مرارة!


بحسب المؤرخ عبد اللطيف فاخوري كانت الدائرة الشرقية لبيروت يحكمها بطرس داغر المسيحي الأرثوذكسي والدائرة الغربية يحكمها منيح رمضان المسلم السني، إلا أن مجلس إدارة بيروت قرر سنة 1910 توحيد الدائرتين فتم انتخاب منيح رمضان ليكون رئيساً أوحدَ لبلدية بيروت، ما نتج عنه إسقاط سلطة رئيس الدائرة المسيحي وحصر السلطة في بيروت بيد السنة *(راجع مقال طوني عطية - نداء الوطن، في 18/4/2025).


هذه الخلفية ذاتها ما زالت تتحكم بوجدان أهل السنة في بيروت، وتحضهم بشكل عفوي على إطلاق اللعنات بمواجهة إعادة توزيع السلطة الإدارية في بيروت بين دوائر متعددة، ولا مناحة أن يؤازرهم بعض المحابين والمنتفعين من شتى الطوائف. إلا أن المهولين بعظائم الأمور قد فاتهم أن أحياء بيروت موزعة أصلاً بين المخاتير المنتخبين، كل ضمن نطاقه الطائفي والجغرافي المحدد بشكل واضح والمفصول عن سواه، بما يعكس تعددية الهويات الدينية القائمة بين مناطق العاصمة. وبالرغم من ذلك لم تندلع الحرب الأهلية، لا بل كان الغليان الطائفي شبه غائب عن معركة المخاتير مقارنة بانتخابات البلدية، حيث فرضت الوحدة قمعاً وزيفاً، فكان هناك عامل التفجير، وهناك كان عامل تأخر العملية الديمقراطية.


بالرغم من هذا الانقسام العمودي، وبالرغم من التفاوت الديموغرافي تم الإصرار على اعتماد نظام أكثري ومفتوح ودائرة واحدة، في مقابل التوصية المعنوية بضرورة تأمين المناصفة في توزيع مقاعد البلدية الأربع والعشرين، وقد عكس في كيفية تشكيل اللوائح الهجينة. فتم قبول جمع المتناقضات السياسية بين "القوات" و"التيار" و"الكتائب" و"حزب الله" و"حركة أمل" و"الأحباش"، لا بدافع المصالحة الوطنية، بل فقط بهدف قطع الطريق على التشطيب، وبالتالي تأمين المناصفة الشكلية. وتكرر هذا النمط في شتى اللوائح الأخرى وإن كان بصورة أقل فجاجة، ولكن بالخطاب التسطيحي ذاته وبالشعارات الإنشائية الفارغة ذاتها والحشوات الأدبية المملة ذاتها، البعيدة كل البعد عن أسس الحياة الديمقراطية التي تقوم من صلبها دينامية العهود الانتخابية لتستقيم من ثم المحاسبة على أساسها.


فيا لها من لامركزية إدارية خلابة استبسلت شتى القوى السياسية للكرازة والتعليم فيها، فيما هي خواء فارغ انهارت كل تباشير التنمية الموعودة عبرها عند أول امتحان للمناصفة، فرمي اللب وتم أكل القشرة، وها قد خيضت الانتخابات بهدف شكلي محض يتمثل بالمناصفة، فيما ذلك لا يمت بصلة إلى جوهر السلطة المحلية، حيث كان من بديهيات الأمور ضمان المناصفة، في ما لو كانت بيروت مفدرلة، وكانت الطاقة المجتمعية متركزة حول قضايا التنمية البشرية بدلاً من تبديدها سدى لحل إشكالية التعددية ضمن نظام أحادي مركزي، على طريقة رسم المربع بواسطة الفرجار.



(*) محامٍ وباحث في مجال حقوق الإنسان والفدرالية