ايلي الياس

ورقة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين

4 دقائق للقراءة

منذ بدأت عملية "طوفان الأقصى" والوضع يزداد تعقيداً في ظل محاولات متكررة للوساطة، تقودها قطر ومصر بدعم أميركي. ورغم تعدد مقترحات وقف إطلاق النار وصفقات تبادل الأسرى، فإن المواقف المتباعدة والعراقيل من الجانبين أدت إلى فشل كل محاولة لتثبيت هدنة دائمة. وتعكس هذه الحالة بوضوح أن الصراع في غزة اليوم لم يعد مجرد تعبير عن القضية الفلسطينية التقليدية، بل أصبح ساحة صدام معقدة بين مصالح إقليمية ودولية تتجاوز حدود القطاع.


وفي ظل هذا التعقيد الإقليمي، تبرز في لبنان ضرورة وطنية عاجلة لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات بشكل مستقل وبمعزل عما يحدث في غزة أو فلسطين عموماً. فقضية السلاح الفلسطيني في لبنان تشكل منذ عقود أحد أبرز التحديات الأمنية والسياسية التي تقوض استقرار البلاد وسيادة الدولة. إن حسم هذا الملف وتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية أصبح واجباً وطنياً ملحاً لا يمكن تأجيله أو ربطه بأي تطور خارجي مهما كانت أهميته.


منذ عام 1964، ظل ملف السلاح الفلسطيني في لبنان عالقاً بين الحسابات الإقليمية والتوازنات الداخلية، مما جعله أحد أبرز العقد الأمنية والسياسية التي فتحت الساحة اللبنانية أمام كل المشاريع الدولية والإقليمية، وحتى لتصفية الصراعات العربية-العربية، فما كانت النتيجة إلا انتهاء لبنان الدولة. لكن اليوم، ولأول مرة منذ عقود، تلوح في الأفق فرصة استثنائية لمعالجة هذا الملف جذرياً، عبر نزع السلاح من المخيمات الفلسطينية وتمهيد الطريق لتحويلها إلى بؤر سلمية، ما يعزز سيادة الدولة.


تأتي هذه الفرصة في ظل متغيرات داخلية وإقليمية مهمة. فبعد نهاية "حزب الله" وسقوط نظام الأسد، تم إقفال ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بسلاسة وهدوء. وأعلنت لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني عن خطة بالتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية لضبط السلاح داخل المخيمات وتفكيك بنيته الثقيلة بشكل كلي. وأكد رئيس اللجنة، باسل الحسن، أن الرأي العام الفلسطيني في لبنان أصبح على يقين بأن السلاح لم يعد له قيمة سوى التسبب بمزيد من الأضرار، وأن أغلب الضحايا الذين يُقتلون بسبب هذا السلاح هم من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم.


على الجانب اللبناني، تعهد رئيس الجمهورية جوزاف عون في خطاب القسم بالتمسك بحق الدولة اللبنانية في ممارسة سلطتها على كل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المخيمات، والحفاظ على كرامة اللاجئين. هذا الموقف يعكس دعماً رسمياً وشعبياً لإنهاء ملف السلاح غير الشرعي.


لكن في المقابل، تُطرح تساؤلات مقلقة عن الجدية الفعلية في تنفيذ هذا القرار، في ظل معطيات تشير إلى وجود محاولات لعرقلة جهود الدولة. فقد سُجّلت تحركات تهدف إلى التأثير على بعض الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات، وتحريضها على رفض تسليم سلاحها، في وقت يقوم فيه بعض الفاعلين المحليين والإقليميين بالضغط على شخصيات سياسية وأمنية لبنانية لمنع استكمال مسار نزع السلاح. وإن صحت هذه المعطيات، فإنها تؤكد أن محور العرقلة لا يزال متمسكاً بنهج اللادولة، رغم كل ما تسبب به من أذى وانهيار على المستويات الاقتصادية والمعيشية والسياسية.


إن استمرار وجود السلاح داخل المخيمات لا يشكل فقط تهديداً للأمن اللبناني، بل يعيق أيضاً تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين. فالسلاح المتفلت داخل المخيمات كان سبباً في العديد من الاشتباكات الدموية، مثل أحداث نهر البارد عام 2007، وجولات القتال في مخيم عين الحلوة، والتي خدمت أجندات إقليمية تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار لبنان.


لذلك، يجب على الدولة اللبنانية أن تحسم أمرها وتتخذ القرار الجريء بإنهاء السلاح داخل المخيمات، مستفيدة من التوافق اللبناني والفلسطيني والدعم الدولي. فالفرصة الآن سانحة لإنهاء ملف السلاح داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، وهي فرصة قد لا تتكرر. وأي تراجع أو تلاعب بالجدول الزمني لهذه الخطوة سيشكل ضربة قاصمة للثقة الشعبية بالدولة، وللعهود المعلنة ببناء لبنان السيادة والاستقرار. إن تجريد المخيمات من السلاح ليس فقط ضرورة أمنية، بل خطوة أساسية على طريق الخروج من واقع اللادولة والولوج إلى مرحلة الدولة الفعلية، القادرة والعادلة.