في عصور مختلفة، وتحت رايات مختلفة، وباستخدام أدوات مختلفة، أتقنت كل من المخابرات السوفياتية و"حزب الله" اللبناني سياسة الترهيب والسيطرة واليقين الأيديولوجي. لكن في الوقت نفسه، تشاركا في عدم القدرة على توقّع انحسار نفوذهما، على الرغم من سلطتهما الكاسحة. ومن المُلفت للنظر نجاح كل من المخابرات السوفياتية و"حزب الله" في الاندماج داخل مؤسسات الدولة، مع بقائهما في نهاية المطاف غير خاضعين للمُساءلة أمامها. لا بل استغلّا هذا الاندماج ليس فقط من أجل الهيمنة، بل أيضاً من أجل البقاء.
صحيح أن الأيديولوجيا والجغرافيا تفصلان بين المجموعتين على حدّ سواء، إلا أن كلاً من المخابرات السوفياتية و"حزب الله" أظهر سمة مميزة للأنظمة الاستبدادية: اندماج السلطة المؤسسية بالصرامة الأيديولوجية، واستخدامهما لقمع المعارضة وترسيخ الهيمنة. غير أن هذا الاندماج خلق وهم الشعور بالمناعة الذي غالباً ما يسبق الانهيار، لأن هذا النوع من الاستقواء كثيراً ما يولّد العمى الاستراتيجي.
بالفعل، في أواخر الثمانينيات، ومع انهيار الاقتصاد السوفياتي وتراجع الالتزام الأيديولوجي، فشلت المخابرات السوفياتية في قراءة الوضع السياسي، فكانت النتيجة انهياراً تاريخياً. لكن سقوط جهاز المخابرات السوفياتي لم يؤدّ الى نهاية قبضته السلطوية، فالعديد من هياكله وأفراده وُلدوا من جديد في روسيا بوتين.
ولأن السلطة الاستبدادية عادة ما تكون بارعة في إسكات المعارضة إلى درجة تفقد معها القدرة على سماع إشارات الإنذار، فشل "حزب الله" في تجنّب الحرب المدمّرة التي شنّتها عليه إسرائيل في صيف 2024. مع العلم أن هذه المعارضة نبّهته من مغبّة استجرار ردّة فعل عسكرية كبيرة ضدّه وضدّ لبنان. ولأن "حزب الله" لا يزال يتصرّف كما لو أن موقفه منيع، فمن الواضح أن النهج الذي اعتمده لن يزول بسهولة، إذ يستخدم موطئ قدمه المؤسسي لعرقلة الإصلاح، وشلّ الحكم، وحماية نفسه من أي تآكل في نفوذه.
بالتالي، لم تعد هذه مجرد حالة "دولة داخل الدولة"، بل دولة ضد الدولة حتى إشعار آخر. خاصة وأن "حزب الله" يتميّز عن المخابرات السوفياتية باستخدامه استراتيجية الحظر، وذلك منذ انسحاب الجيش السوري عام 2005 وتسلّمه الملف اللبناني. ومن نتائج استراتيجية الحظر، التآكل الديناميكي الناتج عن الشلل المفروض، حيث لا يتمّ تدمير العدو بل يُمنع من التصرّف. وهذا ما نشهده منذ عشرين عاماً.
لكن إلى متى سيبقى لبنان رهينة لدى "حزب الله"؟
إن تداخل سلطة الدولة مع نفوذ ميليشيا "حزب الله" التي رسّخت وجودها في مفاصل الحكم، يجعل معظم الآليات التقليدية للسيادة غير فاعلة. هذه الظاهرة لا تعكس فقط أزمة حكم محلّية، بل تُمثّل نموذجاً مُعقّداً لتفاعل السلطة المؤسسية مع قوى موازية مسلّحة، تتبع منطق الهيمنة، وتستغلّ الأزمات لتعزيز موقعها. والأهمّ أن الحكومة اللبنانية فشلت بشكل مُتكرّر في الدفاع عن السيادة الوطنية وفي تنفيذ مُهمة نزع سلاح "حزب الله"، بينما برّرت هذا الفشل بادعاء افتقارها إلى القدرة، والوحدة السياسية، والأدوات القسرية اللازمة للتحرّك. وقد ساهم هذا الفشل في تعميق أزمة الحكم وتقويض شرعيتها.
ذلك، أن مسؤولية الحكومة تستند إلى التفويض الدستوري والقانوني الذي ينصّ بوضوح على أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة الدفاع عن الوطن واحتكار استخدام السلاح، كما ورد في اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن الدولي 1559. إنّ عدم تنفيذ هذه الالتزامات، أو حتى الامتناع عن محاولة تنفيذها، يُعدّ تقصيراً جسيماً في أداء الواجب السيادي.
علاوةً على ذلك، فإن سياسة "الوفاق الوطني" التي تبنّتها الحكومة لا تُعفيها من تحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية، بل على العكس، فقد شكلت هذه السياسة غطاءً ضمنياً لتطبيع الوضع المُسلّح لـ "حزب الله"، من خلال إشراكه أو إشراك حلفائه في الحكومة. هذا القبول الضمني أسهم في دمج "الحزب" مرّة أخرى داخل المؤسسات الرسمية، وأدى إلى تكريس نمط من الحُكم يقوم على الشلل المتعمّد، حيث تتهرّب القوى السياسية من المواجهة تحت شعار الحفاظ على الاستقرار، في حين أن النتيجة كانت ترسيخ الفشل السياسي والمؤسساتي.