جوانا صابر

بعد أشهر من الحرب على لبنان

الحياة في الضاحية الجنوبية شبه طبيعيّة... المطاعم تعجّ بالروّاد ليلاً ونهاراً

3 دقائق للقراءة

بعد أشهر حملت معها وطأة الحرب وندوبها على لبنان، تعود الحياة لتفرض إيقاعها بقوّة في الضاحية الجنوبية لبيروت. الصورة هنا شبه طبيعية، بل تبعث على الدهشة لمن يتذكر أيام القلق والترقّب. المطاعم، التي تعتبر شريان الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فتحت أبوابها على مصاريعها، تستقبل روّادها ليلاً ونهاراً، كأنها تعلن أن إرادة البقاء أقوى من أي شيء آخر. الأسواق عادت تعجّ بالباعة والمتسوّقين، وضجيج الأطفال يملأ الأزقّة، في مشهد يؤكّد أنّ الضاحية، رغم كل شيء، ترفض الاستسلام للحزن وتختار الحياة.



في جولة لـ "نداء الوطن" في أرجاء الضاحية الجنوبية، تتكشّف أمامك لوحة حيّة من الصمود والتّحدّي. ما إن تطأ قدماك شوارعها الرئيسية حتى تستقبلك زحمة السير المعهودة، التي قد تبدو مزعجة للوهلة الأولى، لكنّها هنا تحمل دلالة أعمق: إنها زحمة الحياة التي عادت لتدور عجلتها. السيّارات تملأ الطرقات، وأصوات أبواقها تختلط بأصوات الباعة الجوّالين وضحكات المارّة، في سمفونية تعبّر عن عودة الروح إلى هذه المنطقة الحيويّة.


تتجلّى هذه الحيويّة بأوضح صورها في قطاع المطاعم والمقاهي. من مطاعم "المشاوي" التي تفوح منها رائحة اللحم الشهي، إلى محلات الفلافل والشاورما التي لا تهدأ حركتها، وصولاً إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت ملتقى للشباب والعائلات. الحركة لا تتوقّف، فالأبواب مشرّعة والزبائن يتوافدون. ليلاً، تزداد الأجواء بهجة، حيث تتلألأ الأضواء وتصدح أصوات الموسيقى الخافتة من بعض الأماكن، بينما يجتمع الأصدقاء والعائلات حول موائد عامرة، يتشاركون الطعام والحديث، في محاولة لتعويض ما فاتهم من لحظات الأمان والاجتماع.



يقول أحد أصحاب المطاعم في منطقة حارة حريك، بينما يشرف على تلبية طلبات الزبائن المتزايدة: "الحمد لله، الناس متعطشون للحياة. بمجرّد أن هدأت الأوضاع قليلاً، عادوا ليخرجوا "ويغيّروا جوّ". نحن بدورنا، وبمجرّد سنوح الفرصة، أعدنا فتح أبوابنا، فهذا مصدر رزقنا ولا نريد أن نستسلم لليأس".


ليست المطاعم وحدها التي تشهد هذه العودة، فالأسواق الشعبية في مناطق مثل برج البراجنة والغبيري عادت لتنبض بالحياة. البسطات تعرض مختلف أنواع البضائع، من الخضار والفواكه الطازجة إلى الملابس والأدوات المنزلية. الزحام هنا ليس مجرّد أرقام، بل هو قصص لأناس يسعون جاهدين لتأمين لقمة عيشهم، ولعائلات تبحث عن احتياجاتها اليوميّة بأسعار مقبولة في ظلّ ظروف اقتصادية ضاغطة تفاقمت بعد الحرب.


الأطفال أيضاً لهم نصيبهم من هذه العودة التدريجيّة للحياة الطبيعيّة. تراهم يلعبون في الساحات الصغيرة أو يرافقون ذويهم في جولات التسوّق، ضحكاتهم البريئة تضيف لمسة من الأمل والتفاؤل للمشهد العام. حتى وإن كانت آثار الدمار أو القلق لا تزال محفورة في بعض الوجوه أو المباني، إلّا أن الإصرار على تجاوز المحنة يبدو هو السمة الغالبة.



إنّ ما تشهده الضاحية الجنوبية اليوم هو دليل حي على قدرة اللبنانيين، وأهل الضاحية خصوصاً، على التكيّف والنهوض من تحت ركام الصعاب. قد تكون الجراح عميقة والذاكرة مثقلة، لكنّ إرادة الحياة والرغبة في استعادة الأنفاس الطبيعية تبدو أقوى. حركة المطاعم الصاخبة وزحمة الأسواق ليستا مجرّد مؤشرات اقتصادية، بل هما رسالة قوية بأنّ هذه المنطقة، بكلّ ما تحمله من رمزية، ترفض أن تُطفأ شعلتها، وتصرّ على أن تكتب فصلاً جديداً عنوانه الأمل والعودة، رغم كل التحدّيات.