ليس أخطر ما يواجه لبنان اليوم انهياره المالي أو أزمته السياسية، بل احتمال أن يدخل مرحلة إقليمية جديدة من دون أن يكون شريكاً في رسمها. فالتاريخ اللبناني يعلمنا أن التحولات الكبرى لم تكن يوماً مجرد أحداث داخلية، بل كانت انعكاساً لتوازنات المنطقة، وأن الطائفة أو القوة التي تغيب عن صناعة التسوية تجد نفسها لاحقاً مضطرة للتكيف مع نتائجها.
قبل الحرب الأهلية، كان لبنان قبلة العرب. كانت بيروت العاصمة المالية والثقافية والإعلامية للمنطقة، يقصدها العرب للتعليم والاستشفاء والاستثمار والسياحة. وفي المقابل، لم يخلُ الخطاب اللبناني لدى بعض الأوساط من نظرة استعلائية تجاه العديد من المجتمعات العربية، باعتبارها أقل تقدماً أو أقل انفتاحاً. ورغم أن هذه النظرة لم تكن عامة، فإنها عكست ثقة اللبنانيين آنذاك بنموذج دولتهم ومؤسساتهم.
لكن الحرب الأهلية غيّرت كل شيء. وبينما انشغل لبنان بحروبه الداخلية، ثم بسنوات الوصاية والانقسامات والصراعات الإقليمية، كانت دول عربية، ولا سيما الخليجية، تبني مؤسساتها، وتطور اقتصاداتها، وتستثمر في الإنسان والبنية التحتية. ومع مرور الزمن انقلبت الصورة؛ فأصبح اللبناني يتطلع إلى تلك الدول بوصفها نماذج في الاستقرار والتنمية، فيما ينظر كثيرون في العالم العربي إلى لبنان باعتباره دولة تعاني من أزمات متراكمة وعجز مزمن عن إدارة شؤونها.
هذا التحول لم يكن اقتصادياً فقط، بل كان سياسياً أيضاً. فقد جاء اتفاق الطائف ليضع حداً للحرب، ويؤسس لتوازن جديد في السلطة، ارتكز عملياً على تفاهمات عربية وإقليمية شكّلت الإطار السياسي للجمهورية الثانية.
أما اليوم، فإن التحولات الإقليمية تطرح سؤالاً مختلفاً: هل تتجه المنطقة نحو تفاهمات جديدة يكون محورها العلاقة السنية–الشيعية، بما ينعكس على لبنان أيضاً؟ لا أحد يستطيع الجزم بذلك، لكن من الواضح أن موازين القوى في الشرق الأوسط تتغير، وأن أي تسوية لبنانية مقبلة ستكون مرتبطة بهذه التحولات.
في هذا المشهد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أين المسيحيون؟
المفارقة أن المسيحيين الذين كان لهم، تاريخياً، دور بارز في قيادة مؤسسات الدولة، وفي بناء صورة لبنان كدولة منفتحة ومركز للثقافة والتعليم والاقتصاد الحر، هم أنفسهم لم يتمكنوا بعد الحرب من الحفاظ على ذلك الدور بالزخم نفسه. فبدلاً من أن يقودوا مشروع إعادة بناء الدولة، استنزفتهم الانقسامات الداخلية والصراعات على الزعامة والتمثيل. ومع مرور الوقت، تراجع تأثيرهم في إنتاج المبادرات الوطنية الجامعة، وأصبح حضورهم السياسي في كثير من الأحيان دفاعياً أكثر منه مبادراً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فبينما كانت دول عربية كانت توصف يوماً بأنها متأخرة تحقق قفزات في الإدارة والاقتصاد، كان اللبنانيون، ومن بينهم النخب المسيحية، يغرقون في صراعات داخلية أضعفت الدولة التي كانوا يوماً من أبرز مهندسيها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تبدل موازين القوى فحسب، بل في أن تتحول الطوائف اللبنانية إلى متلقية للتسويات بدلاً من أن تكون شريكة في صناعتها. فإذا قامت المرحلة المقبلة على تفاهمات إقليمية جديدة، ولم يمتلك المسيحيون رؤية وطنية موحدة تتجاوز الحسابات الفئوية، فقد يجدون أنفسهم للمرة الأولى منذ قيام لبنان الكبير خارج دائرة التأثير الفعلي في رسم مستقبل البلاد.
غير أن هذا المصير ليس قدراً محتوماً. فالدور المسيحي لم يكن يوماً قائماً على التفوق العددي، بل على القدرة على إنتاج الأفكار، وبناء المؤسسات، وصياغة نموذج للدولة يجذب الآخرين. واستعادة هذا الدور لا تكون بالمطالبة باسترجاع امتيازات الماضي، بل بتقديم مشروع وطني حديث يقوم على الدولة، وسيادة القانون، والإصلاح، واللامركزية، والشراكة الحقيقية بين جميع اللبنانيين.
لقد تبدلت المنطقة، وتبدلت موازين القوى، ولم يعد ممكناً إدارة لبنان بعقلية الماضي. فالدول التي كانت تنظر إلى لبنان بإعجاب أصبحت اليوم تُقدَّم كنماذج في التنمية والاستقرار، بينما أصبح لبنان يبحث عن طريق للخروج من أزمته. وهذا التحول يجب أن يكون مناسبة للمراجعة لا للإنكار.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل الجمهورية: هل يكتفي اللبنانيون، والمسيحيون خصوصاً، بانتظار التسوية المقبلة ليعرفوا ما سيكون موقعهم فيها؟ أم يبادرون إلى استعادة دورهم التاريخي في صناعة الدولة، حتى يكونوا شركاء في كتابة المرحلة المقبلة، لا مجرد شهود على ولادتها؟