د. هادي مراد

الشيعة قالوا لا لإيران... فهل يسمع عرقجي صداها؟

4 دقائق للقراءة

في الميثولوجيا اليونانية، كانت ميدوسا فتاة بريئة خُذلت من الآلهة والبشر، فحوّلوها إلى وحش، ثم نبذوها في العزلة. بعد سنوات، عادوا إليها، لا ليردوا لها اعتبارها، بل ليقطعوا رأسها ويستخدموه سلاحًا. ثم عُلّق الرأس على درع أثينا، رمزًا للرعب لا للعدالة. قصة ميدوسا ليست خرافة، بل مرآة لزمنٍ يستدعي ضحاياه حين يحتاجهم، ثم يرميهم من جديد.


هكذا يفعل الإيراني في كل استحقاق. كلما دعت الحاجة، يعقد قرانه المؤقت على عاصمة عربية ما، يغازلها بشعارات المقاومة، ويقسم على الوفاء، ثم يبيعها بثمن بخس لتحقيق مآربه، واحدة تلو الأخرى.


يأتي إلى “حبيبته” ميدوسا – حزب الله – لا بدافع الحب أو الالتزام، بل ليستغلها كورقة ضغط حين تضيق الخيارات. ثم، حين تصبح الورقة محروقة، لا يتردد في رميها في أقرب سلّة مهملات جيوسياسية.


ها هو عباس عرقجي، مساعد وزير الخارجية الإيراني، يدخل لبنان متوشحًا ثوب السيادة، متحدّثًا بلباقة دبلوماسية عن احترام استقلال البلاد. لكنه، كمن يحمل سكينًا خلف ظهره، سرعان ما ينسف ما قاله حين يعلن أن سلاح حزب الله “شأنٌ لبناني داخلي”، بينما هو في الواقع شأنٌ إيراني خارجي بامتياز.


بعد زيارته الرسمية، جلس عرقجي مع نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، وبدل أن يسمع منه، ألقمه تعليمات وليّه الفقيه على طبقٍ من أمرٍ سيادي مغلفٍ بغلاف ديني. رسالة طهران كانت واضحة: “لبنان ما زال ملكنا، نحتفظ به في الجيب الخلفي متى أردنا، لنستخدمه ضد العرب أو نبيعه في بازار المفاوضات مع الغرب.”


عرقجي، الحالم البائس في ظل مرشدٍ أعماه الطموح النووي عن المأساة العربية، جاء يقول لأميركا: “ما زلت أتحكم بالشيعة في لبنان”، متجاهلًا أن أكثر من 40% من الشيعة في الانتخابات البلدية الأخيرة قالوا له: لا. لا للولي الفقيه، لا للوكالة السياسية، لا للموت باسم المذهبية.


ومع ذلك، أتى الإيراني على حصان طروادة مرة أخرى، محاولًا تعطيل الانفتاح اللبناني على الدول العربية، معتقدًا أن بإمكانه إقفال الطريق أمام الدولة اللبنانية في سعيها للخروج من العزلة، وفي استعادة دورها في محيطها العربي الطبيعي.


لكن ليكن معلومًا، يا عرقجي ومن وراءه: لن يكون لبنان بعد اليوم ملحقًا في ركب أحد. لن يكون قطعة قماش تُقصّونها ساعة تشاؤون لتسوّقوا بها سجادكم على طاولات المفاوضات. لبنان، العربيّ الهوية والانتماء، سيبقى عربيًا. وسيكون هذا الصيف مشرقًا برسائل الانفتاح التي ستأتي من العواصم العربية، تدعم الاعتدال والازدهار.


وفيما أنتم نشرتم الحرائق في سوريا ولبنان والعراق واليمن، ها هو ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يعيد رسم خريطة المشرق بالاستثمار في الإنسان، في العمران، في الاعتدال. يضع حجرًا على حجر، ويبني الأمل حيث زرعتم الرماد. لا يفاوض على الطوائف، بل يراهن على الشعوب. لا يبحث عن وكلاء، بل عن شركاء في النهوض الحضاري.


أما أميركا، المنشغلة بالملف النووي الإيراني، فقد أرسلت إشارات متباينة. ففي كواليس المحادثات، بات من الواضح أن واشنطن تريد صفقة بأي ثمن، لكنها تخشى أن تُتّهم بالتفريط بحلفائها في الشرق. لذلك نرى قرارات مترددة، ومواقف مزدوجة: تارة تشدد على ضرورة كبح إيران، وطورًا تمد لها اليد. وكأنّ “ميدوسا” باتت ورقةً في يد ترامب أيضًا، يستخدمها حين يريد الضغط، ثم يتركها في الظل.


وهنا نعود إلى ميدوسا. تلك التي كانت ضحية، ثم وُصفت بالوحش، ثم قُطع رأسها ليُعلّق على درع المنتصر. في قصتها حكمة لكل مقاومة تُستغل، وكل شعب يُخذل، وكل طرف يقاتل نيابة عن غيره. لا تُخدعوا بالدموع التي تُذرف فوق تضحياتكم، فكم من ميدوسا جديدة تُخلق كل يوم، ليُقطع رأسها باسم المجد، ويُرمى في صمت.