زيزي إسطفان

خطوة نحو نبيذ لبناني أكثر استدامة وتنافسية

الذكاء الاصطناعي يدخل حقول الكرمة

4 دقائق للقراءة

في زمن التحديات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، تبحث القطاعات الإنتاجية في لبنان عن أساليب جديدة تحميها من الانهيار، لا سيما القطاعات التي تسعى الى حجز مكانة عالمية لها وتطوير انتاجها كقطاع النبيذ. من هنا، جاء انعقاد ورشة العمل التي نظّمها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية والمعهد الوطني للكرمة والنبيذ، كمبادرة تهدف إلى تسليط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي والروبوتات في تحديث صناعة النبيذ وتأمين استدامتها.


التكنولوجيا في خدمة الأرض

الورشة، التي عُقدت في بيروت، جمعت أكثر من 70 مؤسسة محلية صغيرة متخصصة في إنتاج النبيذ، وعدداً من الخبراء والمسؤولين الرسميين والدوليين، وتركزت المحاور الأساسية على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة العنب ومراقبة الإنتاج، مع التقيّد بمعايير الاستدامة الدولية التي تُعدّ شرطاً أساسياً لتوسيع التصدير نحو أسواق عالمية جديدة. فمن تحليل التربة وتحديد أوقات القطاف المثلى، إلى مراقبة الري وتوقع الأمراض، بدا واضحاً أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن المزارع، بل شريكاً داعماً له في اتخاذ قرارات أكثر دقة وكفاءة.


المداخلات التي شهدتها الورشة عكست التزاماً جدياً بالسعي الى التحديث. وقد وصف رئيس مكتب لبنان في البنك الأوروبي، خليل دنغزلي، اللقاء بأنه فرصة لتسليط الضوء على صمود القطاع الخاص اللبناني رغم التحديات، مشيراً إلى أن البنك، منذ عام 2018، قدّم دعماً لأكثر من 330 شركة صغيرة ومتوسطة عبر أكثر من 450 مشروعاً، مركزاً على ثلاث أولويات: التحول الأخضر، التحول الرقمي، والمساواة في الفرص. بدورها، رأت أليساندرا فيزر، رئيسة قسم التعاون في بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان وسوريا، أن " الابتكار هو المحرّك الأساسي لتعزيز تنافسية الشركات الصغيرة والمتوسطة، ونحن ملتزمون بمواصلة دعم هذا القطاع الحيوي والنتائج التي نراها اليوم ثمرة شراكة طويلة الأمد مع البنك الأوروبي"


أما ريتشارد جونز، مدير الشبكة الإقليمية لتمويل وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البنك الأوروبي، فأكد أن "صمود روّاد الأعمال في لبنان يستحق الدعم، وأن برامج البنك تركّز على ربط الابتكار بالجامعات وتعزيز التمويل الأخضر."


نظرة حكومية متفائلة

مدير عام وزارة الزراعة، المهندس لويس لحود، أكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح في صلب عمل الوزارة، وأن برامج تدريبية نظّمت في هذا الإطار تفتح الباب أمام تطور ملموس. وأعلن عن مواصلة الجهود لتسويق النبيذ اللبناني في الأسواق المحلية والخارجية، مركزاً على الدور الإيجابي لللتعاون القائم بين الوزارة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية.


أما وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، فشدّد على أهمية التكنولوجيا في النهوض بالقطاع الزراعي، قائلاً: "الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً، بل أداة ضرورية لبناء قطاع أكثر قدرة على الصمود والنمو، وقطاع النبيذ يمثّل نموذجاً مثالياً لتحقيق ذلك، خصوصاً مع دوره في خلق فرص العمل وتعزيز الهوية الاقتصادية والثقافية للبنان."


من جهته اعتبر رئيس المعهد الوطني للكرمة والنبيذ في لبنان، ظافر الشاوي، أنّ "مستقبل قطاع النبيذ مرهون بقدرتنا على التكيّف والابتكار"، مشدّداً على أهمية ربط العلم بالطبيعة، لا سيما في بلد يتمتّع بتراث نبيذي غني وهوية فريدة في المذاق.


التحديات لا تزال حاضرة

رغم أجواء التفاؤل، لم تغب الإشارات الواقعية إلى الصعوبات التي تواجه القطاع. فقد أشار عدد من صانعي النبيذ اللبنانيين إلى تأثير الأزمات السياسية والاقتصادية، ونقص الكهرباء والمياه، وصعوبة الوصول إلى الموارد، على جودة الإنتاج واستمراريته. وأجمع المشاركون على أن الابتكار، وإن لم يكن حلاً سحرياً، يشكّل عنصراً حاسماً في تقوية القطاع وتخفيف الأضرار. وقد عرضت الدكتورة يولا شمعون غرة عن التقنيات المرتكزة على الذكاء الاصطناعي التي يمكن استخدامها في زراعة الكرمة و صناعة النبيذ مثل استعمال المسيرات لتصوير الأرض و الحصول على معلومات حولها من خلال لونها والفراغات فيها أو استعمال تقنية GIS لرسم خرائط التربة ومعرفة طوبوغرافيا الأرض . كذلك شرحت عن استخدام الروبوت في عملية القطاف و تنقية التربة من الأعشاب و استخدام الذكاء الاصطناعي في ترشيد الري وقيادة الجرافات الروبوتية الصغيرة ومراقبة الكروم عن بعد عبر التطبيقات ما يحسن من جودة الانتاج ويمنع الأمراض والمشاكل.


فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون الكأس التي ينقذ بها لبنان نبيذه؟ وهل تكون صناعة النبيذ من ابرز القطاعات القادرة على الاستفادة من الاستثمارات التي يقدمها البنك الأوروبي الذي يراهن على دور الابتكار و التكنولوجيا؟ الجواب الحقيقي سيتبلور فقط مع الزمن... والإرادة.