ريتا عازار

فن الأصالة والتجديد

إبداع السكان الأصليّين لأميركا كما يرويه نامينغا

6 دقائق للقراءة

يُعتبر فنّ السّكان الأصليّين لأميركا الشمالية، واحداً من أكثر أشكال التعبير الفني ثراءً وتنوّعاً، حيث يعكس التراث الثقافي والروحي لمجتمعاتٍ حافظت على هويّتها الفنية عبر آلاف السنين. يشمل هذا الفنّ عدداً كبيراً من الوسائط مثل النقش، النسيج، الرسم، المجوهرات، والنحت. إلّا أنّ الفخّار يُعدّ من أبرز هذه الفنون، لا سيّما بين شعوب البويبلو في الجنوب الغربي الأميركي. فالفخّار بالنسبة إليهم لم يكن مجرّد وعاء لحفظ الماء أو الحبوب، بل كان تجسيداً للعقيدة، والانتماء، والتقاليد العائلية الممتدّة عبر الأجيال. في هذا السياق، يبرز الفنان ليس نامينغا، كواحد من أكثر الفنانين المعاصرين تأثيراً في هذا المجال.


استطاع ليس نامينغا بموهبته ومثابرته أن يُجدّد في الفنّ الفخّاري للسكان الأصليّين، من دون أن ينفصل عن جذوره التاريخية. وُلد نامينغا في بويبلو زوني، بولاية نيو مكسيكو، وهو من سلالة عريقة تنتمي إلى قبيلتَي الزوني والهوبي-تيوا، ويحمل في فنّه بصمات هاتَين الثقافتَين العميقتَين.



الهويّة والروح

الفخّار في ثقافة البويبلو، طقس اجتماعيّ وروحيّ. تُصنع الأواني من الطّين المحليّ، وتُشكّل باستخدام تقنية اللفّ اللولبيّ، ثم تُترك لتجفّ وتُحرَق تقليدياً في الهواء الطلق. كانت النساء تحديداً مسؤولات عن هذه المهنة، وغالباً ما كانت المعرفة تنتقل من جيل إلى آخر داخل العائلة.


تُزيَّن الأواني برموز وأشكال مستوحاة من الأساطير، والحيوانات، والطبيعة، وأحياناً من الطقوس الدينية. وغالباً ما تُستخدم ألوان ترابية مصنوعة من صبغات طبيعية. وقد طوّرت قبيلة هوبي-تيوا على وجه الخصوص، تقنيات وأساليب زخرفيّة متميّزة، اشتهرت بها الفنانة الرائدة نامبيو من هانو (1857–1942)، وهي الجدّة الكبرى لليس نامينغا.


التصميم الحديث وروح الفخّار

نشأ ليس نامينغا في بويبلو زوني، وتأثّر منذ صغره بالثقافة المحليّة، لكنه لم يكن يعرف الكثير عن أصوله الهوبيّة، نظراً لأنّ والدته زونية، وكان يعيش بعيداً من قرية والده. ومع ذلك، كان محاطاً بتشجيع الأسرة على الدراسة والنجاح، ما قاده إلى دراسة تصميم الغرافيك في "جامعة بريغهام يونغ" في ولاية يوتا. هناك، بدأ يُطوّر اهتمامه بالفنّ الحديث، واطّلع على أعمال فنانين مثل ستيوارت ديفيس، ووليم دي كونينغ، وجاكسون بولوك، الذين تركوا أثراً واضحاً على أسلوبه البصري اللاحق.

التحوّل الجذريّ في حياته الفنية حدث في العام 1989، عندما بدأت عمّته، ديكسترا كوتسكويفا (1928–2019)، وهي فنّانة فخّار مرموقة أيضاً، بتعليمه تقاليد الفخار الهوبي. كانت كوتسكويفا نفسها حفيدة لنامبيو، وبالتالي فقد ورثت التقاليد بدقّة وحرص. بدأت تعليمه من خلال المراقبة فقط، إذ لم يُسمح له بلمس الطين في الأيام الأولى، وهو أسلوب شائع في تعليم الفنون التقليدية. تعلّم منها الصبر، وفهم الأبعاد الروحية والطقسيّة للعمل الفني.



بين الحداثة والتقاليد

وعلى الرغم من أنه بدأ بتقنيّات تقليدية، إلّا أنّ ليس نامينغا قرّر سلوك طريق فنّي فريد، يجمع فيه بين جمالية الفخّار التقليدي والروح المعاصرة. وبدلاً من استخدام الألوان الترابيّة المحدودة، بدأ بتجريب ألوان الأكريليك، والتي سمحت له بالتعبير عن طيف أوسع من المشاعر والأفكار.


أول تجربة له مع الأكريليك كانت عبر رسم تصميم تجريديّ على قرعة (Gourd)، وقد وصفها بأنها كانت بوّابة إلى عالم جديد من الإبداع. بدأ يضيف طبقات لونية متعدّدة، وأحياناً يترك الألوان السفلى تظهر من خلال العلوية، ما خلق إحساساً بصرياً بالغ العمق والحركة. وأشار إلى أنّ هذه الطبقات ليست فقط تشكيلاً بصريّاً، بل تمثّل تراكم التجارب الإنسانية، والذكريات، والأفكار، والمشاعر، التي تدخل في صنع كل وعاء.



طيور سيكياتيكي

من أبرز أعماله "طيور سيكياتيكي"، وهي جرّة فخّارية استخدم فيها الطين الطبيعي وألوان الأكريليك. يعود اسم القطعة إلى قرية قديمة تُدعى سيكياتيكي، تقع على سفوح "الميسا الأولى"، وقد هُجرت حوالى عام 1500. كانت الجدّة الكبرى نامبيو تستلهم من الشظايا التي عُثر عليها في تلك الأنقاض. وعندما زار نامينغا المواقع الأثرية في زوني، لاحظ وجود شظايا فخّارية من عصور مختلفة مكدّسة فوق بعضها البعض، وهو ما ألهمه مفهوم "طبقات التاريخ"، التي تجسّدها هذه القطعة.


تُظهر "طيور سيكياتيكي" إيقاعاً بصرياً متناسقاً مستوحى من الموسيقى – التي يستمع إليها الفنان أثناء العمل – حيث تمثّل الطيور الإيقاع، بينما تكسر الألوان الصارخة كالأصفر والأخضر التكرار بإحداث نوع من "التنافر الجمالي".



الروح في العمل الفني

يشير نامينغا إلى أنّ العمل الفخّاري، خصوصاً في سياقه التقليدي، ليس فقط إنتاجاً بصريّاً بل هو "تعبير روحي". فخلال تشكيل الطين، وتلوينه، وتلميعه، يمرّ الفنان بتجربة تأملية داخلية، يتذكّر فيها الأحبّة، ويفكّر في الحياة، ويردّد الصلوات. كلّ هذه المشاعر تُغرس في القطعة الفنية، التي تتحوّل إلى "قُربان بصريّ" لمن يشاهدها.


في عمله "نسيج" (Tapestry)، يمكن رؤية تأثير الطبقات بشكل واضح، حيث تتكوّن من حزام برتقالي لامع من طبقات متعدّدة باللون نفسه. أحياناً تبدأ الطبقة بلون مختلف ثم تتغيّر مع تطوّر العمل، وكأنّ الطين نفسه يوجّه الفنان لاختيار الخطوة التالية.



أصالة وابتكار

الفن بالنسبة لنامينغا لا يحاكي التراث فقط، بل هو تفاعُل حيّ بين الماضي والحاضر. لا يبدأ عمله بِنيَّة توصيل رسالة محدّدة، بل يترك المجال مفتوحاً للتأويل، ويُفضّل أن تدور العمليّة الإبداعية حول التجريب والتفاعل. أحياناً، يستند إلى التصاميم القديمة من نمط نامبيو، ثم يُضيف إليها لمساته الخاصة من الألوان والأساليب.


كما يؤمن نامينغا أنّ تعدّد الطبقات في العمل الفنّي يُحاكي تعدّد الأصوات، والمشاعر، والتجارب في الحياة الإنسانية. وهذا ما يجعل أعماله فريدة. فهي ليست أعمالاً فنّيةً فقط، بل روايات شخصية، وتاريخية، وروحيّة مضمّنة في الطين.



إلى الأجيال الجديدة

ولا تقتصر مساهمات نامينغا على إنتاج الأعمال الفنية فحسب، بل تشمل أيضاً مشاركته النشطة في تعليم الأجيال الجديدة من الفنانين الأصليّين. فقد قام بإعطاء ورش عمل ومحاضرات حول الفخّار التقليدي وتقنيات التلوين المعاصرة في معاهد ومتاحف متعدّدة، مثل "متحف هيرد" في فينيكس، و "معهد الفنون الهندية الأميركية" في سانتا في.

من خلال هذه المبادرات، يسعى نامينغا إلى الحفاظ على استمرارية الفنّ التقليدي، مع فتح المجال أمام التجريب والتطوّر، كما يُعتبر من الداعمين لفكرة أنّ الفنون الأصلية هي منصات حيوية للتعبير الذاتي والثقافي، تتطوّر مع تغيّر الأزمنة.


يُعدّ ليس نامينغا مثالاً حيّاً للفنان الذي نجح في الربط بين تراث الأجداد وروح العصر الحديث. وهذا النجاح جعل فخّاراته تباع بملايين الدولارات. إذ من خلال فنه، يُعيد تعريف الفخّار ليس كمنتج ثقافيّ ثابت، بل كَفَنّ حيّ متطوّر قادر على احتضان الحداثة من دون أن يفقد روحه. وتُظهر تجربته قوّة الفن الأصليّ في التواصل مع الزمن، والذاكرة، والهويّة، مانحةً الأجيال الجديدة من الفنّانين الأصليّين المساحة لابتكار طرق جديدة للتعبير دون التخلّي عن جذورهم العريقة.