جويل غسطين

لقاء "الأرواح المهاجرة" في باريس

"La Vie En Rose": البحث عن حياة ورديّة رغم الأزمات

5 دقائق للقراءة

بعدما وضعت الحرب العالميّة الثانية أوزارها وانسحب الجيش الألماني من الأراضي الفرنسيّة، بدأ العالم يلتقط أنفاسه من جديد، ويعيد ترميم ما خلّفته سنوات الدّمار والموت. وسط هذا المشهد العالمي المتقلّب، قرّر أربعة لبنانيّين تركَ وطنهم الأمّ والانتقال إلى العاصمة الفرنسيّة باريس التي بدأت تستعيد بعضاً من بريقها وسط الرّكام. التقى الأربعة صدفةً أمام أحد الكاباريهات حيث جمع بينهم أمرٌ لم يكن واضحاً منذ الوهلة الأولى. ومع الوقت، أخذت الخيوط بالتّشابك، لتنسج قصّةً إنسانيّة عميقة تكشفها مسرحيّة "La Vie en Rose"، ابتداءً من الليلة.


ظنّ المهاجرون الأربعة أنّهم قد يجدون الاستقرار في الغربة، وأنّ في فرنسا الخارجة لتوّها من أتون الحرب والاحتلال، فرصة لبداية جديدة. مغامرة تضيء على الرّابط الخفي والسرّ الدّفين الذي جمع وافدين إلى مدينةٍ غريبة بعد حربٍ قاسية، سيعيش المشاهدون تفاصيلها في "District 7"، المساحة الخاصة بالعروض الفنّية حيث ستُقدّم المسرحيّة.



من أغنية إلى فلسفة

تكشف الكاتبة والمخرجة مايا سعَيد أنّ اختيار عنوان "La Vie en Rose"  لمسرحيّتها الجديدة لم يأتِ من فراغ، بل يحمل أكثر من معنى، إذ يتجاوز البعد الفنّي ليغوص في العمق التّاريخي والإنساني. تستحضر سعَيد من خلال هذا العنوان، كما تقول في حديثها مع "نداء الوطن"، إرث الفنّانة الفرنسيّة إيديت بياف التي سطع نجمها في أربعينات القرن الماضي، في مرحلةٍ كانت فيها فرنسا ومعها العالم يتلمّسان طريقهما للخروج من ظلمة الحرب العالميّة الثّانية. "آنذاك، شكّلت بياف بصوتها وأغنياتها، وعلى رأسها "La Vie en Rose"، ملاذاً وجدانيّاً لجيلٍ ممزّق ومشوّه معنوّياً نتيجة الحرب، فغدت الأغنية نشيداً للحبّ والحياة، وانتشرت كالنّار في الهشيم في الأوساط الفّنية والشّعبية على السّواء"، كما تشرح سعَيد.


لكن لا تكتفي كاتبة العمل المسرحي باسترجاع لحظةٍ موسيقيّة فارقة، بل تذهب أبعد من ذلك، لتربط تلك الرّوح بالظروف والأزمات المتتالية التي مرّت على البشريّة جمعاء، التي لا تزال تمتلك القدرة على التمسّك بالأمل والضّحك وصناعة لحظات فرح عابرة، رغم الخراب المستمرّ والحروب المتتالية. فتتحوّل "La Vie en Rose" من مجرّد عنوانٍ أو تحية لفنّ بياف العريق، إلى موقف فلسفي حول رؤية الحياة من خلال عدسةٍ ورديّة، حتّى لو كان الواقع ملبّداً بالرّماد.



الشخصيات أولاً

بخلاف ما درجت عليه في أعمالها السّابقة، قلبت مايا سعَيد هذه المرّة المعادلة الإبداعيّة رأساً على عقب. فبدلًا من أن تبدأ من كتابة النّص لتبحث لاحقاً عن الممثّلين المناسبين للأدوار المكتوبة، انطلقت من الشخصيّات لتبني حولها حكايةً كاملة.


هذا التّغيير في المنهج لم يكن وليد الصّدفة، بل جاء بعد لقاء سعَيد بعازف آلة الأكورديون لبنان عون، الّذي ألهمها بفكرةٍ فنيّة تجمع بين النّغمات الباريسيّة القديمة والوجدان اللّبناني. وانطلاقاً من هذا "اللّقاء الموسيقي"، بدأت ملامح المسرحيّة بالتشكّل في ذهن كاتبتها ومخرجتها.


ومع استحضارها أسماء ممثلين محترفين مثل إيلي متري، وصولانج تراك، وطارق تميم، بدأت عناصر العمل تتبلور شيئاً فشيئاً، لتتشكّل البُنية الدّرامية للمسرحيّة، لا فقط على الورق، بل من خلال نبض الممثّلين والشخصيات بعدما رأت سعَيد في كلّ فرد منهم حجر الأساس الرئيسيّ للحكاية الّتي أرادت أن ترويها على المسرح.



ممثلون وأدوار

يُجسّد الممثّل إيلي متري دَور "نور"، بينما يؤدّي طارق تميم شخصيّة "منتصر"، الذي تجمعه صداقة خاصّة بـ "نور"، أمّا صولانج تراك فتقدّم من جهتها شخصيّة "ماريان"، في حين يطلّ الموسيقي لبنان عون بِدور "روا" عازف الأكورديون، مقدّماً خلال العرض باقة من المقطوعات الّتي تمزج بين الرّوح الفرنسية والنّكهة اللبنانية.


وإذ تصرّ أسرة العمل المسرحي على عدم تناول مسار الأحداث في أحاديثها الصحافيّة لتترك فرصة الاستمتاع بالعروض للجمهور الذي سيشاهد المسرحيّة، تعزو سعَيد الأمر إلى حساسيّة القصّة ودقّة تفاصيلها، وتقول إنّ مجرّد الحديث عن أي تفصيل ولو صغير حولها، سيكشف المضمون وبالتالي سيفقد المشاهد شغف المتابعة. 



* مسرحيّة "La Vie en Rose"، أيّام الأربعاء، الخميس، الجمعة، والأحد طيلة شهر حزيران الجاري ابتداءً من 12 منه، في "District 7"، شارع سليم بسترس، التباريس – بيروت، 



"District 7": مساحة للإبداع والتّلاقي


في قلب منطقة الأشرفيّة الصّاخبة بالحياة البيروتيّة، أطلقت الممثّلة والمخرجة صولانج تراك منذ نحو عامَين مشروعها "District 7"، الّذي بات اليوم مساحة إبداعيّة نابضة تحتفي بالفنّ وتفتح أبوابها أمام المواهب الصّاعدة في مجالات الفنون الأدائيّة.


تعبّر تراك لـ "نداء الوطن" عن سعادتها الغامرة بهذا المشروع، واصفةً إيّاه بحلمٍ تحقّق بعدما راودها لسنوات. المكان يجمع بين الطّابع الفنّي والرّؤية التّربويّة، عبر استضافة وتقديم ورش عمل ودورات تدريبيّة مُعدّة بعناية لتناسب مختلف الأعمار والمستويات. وما يميّز "District 7" ليس فقط برامجه الفنيّة، بل أيضاً روحه المتجدّدة ونهجه التّفاعلي. فالمكان يتجاوز كونه مجرّد مساحة للعروض، ليغدو مركزاً للتّلاقي والنّقاش الفنّي والثقافي، مدعوماً بمقهى داخلي يسمح للزوّار بالتّفاعل ومشاركة الشّغف بالفنّ، خاصّةً وأنّ المكان يفتح أبوابه من السّاعة التاسعة صباحاً حتّى الواحدة ليلاً.


ومن أبرز البرامج التي تسطع ضمن هذه المساحة، عرض "Au Trottoir Ce Soir"، حيث تتحوّل الأرصفة إلى مسرح حيّ يستقبل أعمالاً مشهدّية تتغيّر ديكوراتها بما يتلاءم مع مضمون كل عرض، ما يمنح كل أمسية طابعها الفريد وحيويّتها الخاصّة. وقد استقطب هذا البرنامج عدداً من الأسماء البارزة في عالم الإخراج المسرحي، من بينهم المخرجة مايا سُعيد، التي أضفت بُعداً خاصاً ومتميّزاً على هذه المبادرة.