مؤلمة هي العودة إلى صفحات الحروب، لكنّها ضرورية كي لا تصدأ الذاكرة. فالمجتمعات المُدمّاة والمثقلة بالأوجاع، لن تداوي جروحها إذ لم تقرأ تاريخها وأحداثها، بجرأة واعتبارٍ. كم من قرارات سيّئة رَسَمت في الماضي خطوط المستقبل السوداء. وكم من حروبٍ أسست لانهيارات ونكبات، حكمت بنتائجها، حياة أجيال وشعوب وأوطانٍ.
في كتابه الجديد "من الوزارة إلى السفارة - سقوط الحصن - 13 تشرين الأول 1990" الصادر عن دار سائر المشرق، يمدّ الكاتب والصحافي كلوفيس الشويفاتي قلمه وشغفه المهني، إلى "أخطر وأطول يوم في حرب لبنان"، مقدّماً للقرّاء، الذين عاينوا تلك الأحداث، وللرأي العام الذي لم يعاصر تلك الحقبة، "شهادات موجعة، ووثائق سريّة وحقائق تُكشف للمرّة الأولى".
لم يستحضر الكاتب الماضي لنكء الجراح وتقليب المواجع، بل لاستخلاص تلك المعادلة الذهبية، المعقّدة والغريبة في آن عن هذا الشرق، ألا وهي "أخذ العبر"، كمفتاح ضروري للفرار نهائيّاً من سجون الموت والدمار والحروب.
يعيدنا الكتاب، إلى شخصيات وقوى وظروف محلية وإقليمية ودولية، إلى مواقع وجبهات ومتاريس باتت أسماؤها لصيقة بـ "13 تشرين 1990". إلى "ضبّاط وجنود الجيش اللبناني البواسل الذين سُفكت دماؤهم وأزهقت أرواحهم بوحشية... إلى جرجس أبو سمرا ودوري نمورة اللذين شاهدا رفاقهما يُعدمون أمام أنظارهما. إلى كلّ المفقودين والأسرى الذين أُهينوا وعُذّبوا وانتهكت كرامتهم وإنسانيتهم بمنتهى الحقد والانتقام. إلى الذين قطّعت الحرب نصفهم جسداً وروحاً، شربل داغر وكلّ رفاقه المصابين. إلى كلّ الذين حلموا بالمجد والنصر ثمّ بكوا دمعاً ودماً على وطن فقد سيادته وحريّته... إلى كلّ من خلّص روحاً وأنقذ أسيراً وبلسم جرحاً في ذلك اليوم المشؤوم..." إلى كلّ هؤلاء كان الإهداء. وإلى المسؤولين والحكّام والمتحكّمين بمصائر أوطانهم وشعوبهم، هذا العمل الكبير، لعلّه يكون هِداية ونوراً، كي لا يسقط الحصن مجدّداً، مرّة ومرّات.
يقع الكتاب في 375 صفحة، مدعّماً بصور ومقابلات مع عسكريين وضباط وثّقوا شهاداتهم للمرّة الأولى، ويشكّل مرجعاً يُثري مكتبة الحرب اللبنانية ويفتح آفاقاً أمام الباحثين والمهتّمين في تاريخ لبنان السياسي.
من بين تلك الشهادات، عناصر وضباط نجوا من الموت المحتّم. فخصّص لهم الكاتب فصلاً بعنوان "الناجون من الوحش"، ليشهدوا على أفظع مقتلة وإجرامٍ بحقّ الجيش اللبناني على يد جيش حافظ الأسد، الذي تفوّق بوحشيته وبربريته على عصور ما قبل الحضارة. في ضهر الوحش على سبيل المثال لا الحصر، أُعدم كلّ الضباط والجنود اللبنانيين، باستتثناء الرقيب الأوّل جرجس أبو سمرا ابن بلدة جديتا البقاعية. يشير الكتاب إلى أنّ أبو سمرا "رفض بشكلٍ قاطع التحدّث وسرد ما حصل معهم في ذلك اليوم الرهيب، فالألم يعتصر قلبه عند تذكّر تلك الأحداث المخيفة، لكن العميد الركن المتقاعد ناريغ إبراهيميان استطاع إقناعه بضرورة التحدّث... وبدأ أبو سمرا حديثه مرتجفاً، وقال: "كنّا تابعين للسرية الأولى من الكتيبة 102 في اللواء المجوقل...".
أما العسكري فادي عون من الكتيبة 102 وهو الناجي من المجموعة الثانية التي تمّ إعدام عناصرها، فيروي كيف أن "مسدسي... أنقذ حياتي"... "رفعت يدي وقلت للجنود السوريين: معي مسدّس. انهالوا عليّ بالضرب وبدأوا الصراخ: وينو المسدّس؟ وينو المسدّس؟"...
"بواخر الموت وأورغن ستالين"
يشمل الكتاب، كل محطّات "13 تشرين". بالإضافة إلى جبهات القتال والمشهد السياسي الذي لفّ تلك المرحلة الأليمة والمفصلية، يستعيد الشويفاتي واقع الناس العاديين وحياتهم اليومية آنذاك ومحاولة التأقلم مع مجريات الحرب، فـ "معظمهم دعموا العماد عون علّه يحقق حلم التحرير الموعود، وكانوا بعد كل ليل ملتهب، يستغلّون فترات استراحة المدافع وغالباً في ساعات ما قبل الظهر لتأمين حاجاتهم الضرورية التي شحّت كثيراً ليعودوا إلى الملاجئ ويستمعوا إلى معزوفات أورغن ستالين".
ينقلنا الشويفاتي عبر متن كتابه إلى "بواخر الموت" ومرفأ جونية الذي كان "المنفذ الوحيد إلى الخارج بالنسبة للمنطقة الشرقية على الرغم من تعرّضه الدائم للقصف المركّز من السوريين، حيث لم يقتصر فقط على السّفن المحمّلة بالمواد الغذائية والنفط وغيرها بل شمل السفن المدنية والزوارق الصغيرة التي كانت تنقل المدنيين إلى السفن الراسية بعيداً عن الشاطئ". إذ تسبّب القصف بسقوط بعض المدنيين في المياه ومنهم "طفلتان صغيرتان من آل عازار، ربى (ثلاث سنوات) وشقيقتها مايا (سنة ونصف السنة). انتشلت جثّة الطفلة ربى من الماء فيما لم يعثر على جثّة الطفلة مايا إلا بعد مرور عدّة أيام".
مهمّة "حزب الله": نهب وضرب المناطق المسيحية
في خضّم الحرب الكبرى، دارت مناوشات جانبية لا تقلّ أهمية. إذ يتطرّق الكتاب إلى معركة لم تكن في الحسبان بين مقاتلي إيلي حبيقة و"حزب الله". يقول أحد مساعدي حبيقة: "قبل اجتياح 13 تشرين الأول، اتخذت القيادة السورية مقرّاً لإدارة عملياتها في إحدى صالات السينما القديمة في الضاحية الجنوبية، وجرى الاتفاق بين الضباط السوريين وقيادة "حزب الله" على أن تتولى وحدات الجيش السوري عملية الاجتياح والهجوم، ضدّ الوحدات العسكرية التابعة للجيش اللبناني، في حين تتولّى ميليشيات "حزب الله" عملية السيطرة على المناطق المسيحية الآهلة بالسكّان، ومنع أي نوع من المقاومة الشعبية ضدّ قوات الجيش السوري".
يضيف: "... بعد توقّف إطلاق النار ودخول السوريين إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع، بدأت ميليشيات "حزب الله" التوغّل في المناطق المسيحية من أحياء الضاحية الجنوبية المتاخمة... ودارت معارك طاحنة بين قوات حبيقة وميليشيات "حزب الله"، فما قمنا به في تلك الفترة، ساهم في إنقاذ المناطق المتاخمة للضاحية من مجزرة كان يقوم بها "حزب الله" عن سابق تصوّر وتصميم، بعدما أباح لهم الجيش السوري نهب المناطق المسيحية..."، كما اندلعت معركة محتدمة قرب كلية العلوم في الحدث بين "حزب الله" من جهة والمجموعات التي دخلت مع حبيقة إلى المنطقة الشرقية في الحدث واستنفر معها شباب كانوا في "القوات اللبنانية" والكتائب من آل خليفة ومطر وكرم وغيرهم...".
في الختام، من مفارقات الحروب، أنها عندما تحطّ في الميدان، تكون مرادفة للموت والرعب، لكن عندما تترقّى إلى سطور وكلمات، تُصبح مشوّقة ومؤلمة معاً. فلا وجع الأحداث يمنعك من استكمال المطالعة بوتيرة تصاعدية ولا شغف المعرفة يخفّف من وطأة الأسى واللوعة وغصّات القلوب. 12 فصلاً، مليئة بمعلومات ووقائع تُنشر للمرّة الأولى، كما بأحداث وقصص بطولية سطّرها اللبنانيون في وجه الاحتلال السوري، وأيضاً انكسارات تفضح الرهانات والخيارات الخاطئة.
