عند كلّ حدثٍ عالميّ أو خلافٍ محلّيّ تبرز في لبنان سلوكيّاتٌ عدائيّةٌ تتّسم بالحقد الطائفي وتستهدف حصراً جماعة ثقافيّة مختلفة. أمّا الجماعة المُستهدفة وفق سجلّ الأحداث التاريخيّة، أقلّه منذ نشوء الكيان اللّبنانيّ، فهي المسيحيّون. وتارةً يتّخذ الاستهداف شكل خطاب الكراهية أو التّنميط "stereotyping"، كما حصل مؤخّراً في زعم نائب الجماعة الإسلاميّة محمّد الحوت عن إخفاء أسلحة في أديار المسيحيّين. وتارةً يتّخذ شكل عنفٍ طائفيّ كالبوغرومات "Pogrom" التي كان ينفّذها "حزب الله" على الحدث أو عين الرمّانة. فمن يتابع سلوكيّات الأحزاب الإسلامويّة (كحزب الله والجماعة الإسلاميّة والإخوان المسلمين وغيرها) وما يماثلها (كالأحزاب القوميّة العربيّة)، سيلاحظ تكرار نمطٍ محدّدٍ، وتحديداً فعل التّغريب "the othering" الذي يسبق الاستهداف.
نجد في وعي الإسلاميّين حاجةً إلى الآخر "the Other". وبالطّبع لا يُقصد بـ"الحاجة إلى الآخر" نوع من الرّغبة في الشّراكة، أو الاحتفاء بالتعددية. فالإسلاميّون لا يحتاجون الآخر بوصفه عنصراً ضروريّاً لتكامل المواطنة، بل بوصفه آخر غريباً. ففي هذا الوعي لم يعد المسيحيّون مسيحيّين، بل أصبحوا الآخر الغريب عن الثّقافة السّائدة. لقد باتوا: "يميناً مسيحيّاً"، "صهاينة الداخل"، "عبيد السبت"، "بقايا الصليبيّين"، "خنجراً في خاصرة الأمّة" وغيرها من التعابير التي تعدّ جزءاً من عمليّة التّغريب الإسلاميّ/الإسلامويّ "Islamic/Islamist othering".
فالتّغريب هو أداة الأحزاب الإسلامويّة للتّطبيع مع منطق الإبادة الجماعيّة. وهذا بديهيٌّ؛ لأنّ طبيعة هذه الأحزاب معاديةٌ لليبراليّة، فضلاً عن نزعتها الطوباويّة التي تتصوّر مجتمعاً مثاليّاً وخالياً من الاختلافات/العيوب الطبقية - الثقافيّة (في حالة العروبيّين الاشتراكيّين)، أو الدينيّة (في حالة الإسلاميين). وفي هذا السياق يمكننا فهم خطاب الكراهية الذي تعتنقه هذه التيارات السياسيّة وتوجّهه ضدّ المجتمعات التي تجمع هذين الاختلافين، عنيت الإثنيّات المسيحيّة المتمايزة ثقافيّاً ودينيّاً.
ونحن أمام سلوكيّاتٍ لم تنشأ بسبب شعور الإحباط الإسلاميّ أمام تقدّم الغرب "النصرانيّ" في القرن التاسع عشر، أو بعد هزيمة الجيوش العربيّة أمام إسرائيل في القرن العشرين، بل يمكن وصفها بالأنماط الدوريّة، إذ تتكرّر دورة العنف الطّائفي ضدّ الأقليّات أو المكوّنات المختلفة أقلّه منذ إقرار السّلطنة العثمانيّة المساواة بين رعاياها رغبةً بالحماية والدعم الأوروبيَّيْنِ ضدّ الثورات الداخليّة (مثلاً: ثورة محمد علي باشا). وهذا ما عكس في الوعي الهرميّ الإسلاميّ نوعاً من "الاضطغان" "ressentiment" (وفق المصطلح النيتشويّ): لدينا جماعةٌ ثقافيّةٌ كانت مهمّشةً وأهل ذمّةٍ، ثمّ باتت متساويةً بأدنى الحقوق، وهذا ما يعجز الوعي التفوّقي عن تقبّله؛ لهذا السّبب تنشأ عمليّة التّغريب أساساً. إنّها وسيلة الإسلاميّين لإعادة بناء الدّولة وفق تصوّرهم الهرميّ، حيث يدرك المسيحيّون مكانتهم الدُّنيا في دولة الإسلاميّين الفاضلة.
ولكنّ هذه النزعات التفوقيّة لم تتّخذ إطاراً نسقيًّا "systematic" في المجتمعات الإسلاميّة إلّا بعد نشوء الفكر النقديّ الأوروبيّ للمركزيّة الحضاريّة الغربيّة. لذا بدلًا من توجيه النّقد الكولونياليّ نحو الذّات لمراجعة أشكال الهجمونيا الثقافيّة "cultural hegemony"، وفتح المجال أمام المكوّن "المهمّش" تاريخيّاً، أعيد توجيه هذا النّقد نحو الآخر، لتتجدّد دورة العنف الإثنيّ - الطّائفيّ، ولكنْ بغلافٍ فلسفيّ منمّقٍ. وتوضيحاً: استخدمت الأحزاب الإسلامويّة خطاب "مقاومة الكولونياليّة" غطاءً لسياسةٍ إقصائيّةٍ ضدّ النّقد الذاتيّ وتفكيك الهيمنة الثقافيّة الذي نشأ من أجله هذا الخطاب أصلاً.
وهنا يُطرح السّؤال: كيف يمكن مواجهة خطاب التّغريب وتداعياته الخطيرة؟ حتماً لا يمكن مواجهته بخطاب الانصهاريّة "assimilationism"، لأنّ الانصهار لا ينفع أمام الوعي الإباديّ. ولعلّ المقاربة الأنجح والأكثر أخلاقيّةً هي الدّعوة إلى التحرّر المطلق من هذا الوعي من خلال الانفصال التامّ عنه. فجذور العنف الطائفيّ وخطاب الكراهية فقهيّةٌ قبل أن تكون فلسفيّةً، ومن المعيب أخلاقيّاً تجاهل هذه الواقعة، أو محاولة تكذيبها استناداً إلى تصوّرٍ نظريّ طوباويّ، عوضاً عن سجلّ حوادثَ تاريخيّةٍ وأنماط سلوكيّاتٍ متكرّرةٍ.