في عالمٍ تتناسل فيه القصص كالفطر، وتتشابه فيه أصوات الكتّاب إلى حد التماهي، يطلّ علينا الروائي السعودي مقبول العلوي بمجموعة قصصية مشاغبة، مدهشة، تنبش في بئر النفس العميق وتعيد ترتيب أوجاعها بشاعرية جارحة.
قصص "تدريبات شاقّة على الاستغناء"، الصادرة في شباط 2025 عن "دار نوفل / هاشيت أنطوان"، ليست مجرّد حكايات تُروى، بل طقوس شعائرية لفقدٍ مضاعف، وتمرينات وجدانية على نسيان المستحيل.
يحمل عنوان المجموعة بُعداً فلسفياً وتكثيفاً للمحتوى: "تدريبات شاقّة على الاستغناء". إنه عنوان مزدوج الأفق، يوحي بالوجع والتمرين، بالتحول والانكسار. القصص هنا ليست مجرّد محطّات ساردة، بل تمثّل كلّ واحدة درجة في سلّم الانفصال التدريجي عن أشياء جوهرية: عن حبٍ، عن صديقٍ، عن مكان، عن وَهْمٍ جميل. هي قصص أشبه بـ "مذكّرات خسارات ناعمة"، كتبها العلوي بنَفَس ناضج لا يبحث عن الحسم، بل عن التعايش مع الخواء.
العمق خلف السطح
من أبرز قصص المجموعة وأكثرها تركيباً وسخرية: "تقرير سرّي عن زينة". تروي الحكاية لقاء رجلٍ بصديقه القديم "يوسف مغناطيس"، الذي تحوّل إلى أرشيفي غريب، يجمع ملفات سرّية عن نساء الحارة بدقّة المخابرات. القصة، التي تُروى بلسان ساخر متهكّم، تتحوّل من حبكة "تحرّي قبل الزواج" إلى نقد عنيف للنظرة الذكورية التي تحوّل المرأة إلى "ملفّ بيانات"، في مجتمع مأزوم بالارتياب والانكشاف. يوسف مغناطيس ليس مجرّد شخصية، بل رمز السلطة الذكورية المهووسة بالضبط والرقابة. وهو، في الوقت ذاته، الضحية الكبرى لأرشيفه: يُفتَضح أمره، ويُعاقَب بوحشية عبر "عمليّة تطهير" تقودها نساء من الهامش، بما يُعيد للمرأة شيئاً من كرامتها الغائبة.
قوس النور غير المكتمل
في قصة "الواقفون على عتبات البهجة"، يرصد العلوي لحظة ضوء خاطفة في حياة طلاب مدرسة صحراوية. يدخل "الأستاذ مجيد" الصفّ الأخير من الأسبوع، حاملاً كماناً بدل دفتر، ويبدأ بعزف مقاطع من أغنيات شهيرة، متحدّياً منطق الزمن المدرسي الجامد. لكن لحظة الجمال هذه تُجهَض سريعاً بصوت المدير الغاضب، فيَجري إبعاد المعلم، وتعود الحياة إلى وتيرتها الرتيبة. هنا، تتحوّل القصّة إلى مرثيّة للموسيقى والفن وللرغبة في التخفّف من القيود، في زمنٍ لا يتّسع إلا للخشونة والانضباط القسري.
الذاكرة كمسرح للاستغناء
في "تدريبات شاقّة على الاستغناء"، لا يحكي مقبول العلوي عن الأحداث بقدر ما يستحضرها من ضمير الغياب، من منطقة اللازمن، حيث كلّ شيء يبدو وكأنه حدث قبل قليل أو منذ دهور. هذا التلاعب الذكي بالزّمن السردي يُعيد تشكيل مفهوم الحنين، لا كعاطفة ناعمة، بل كعبء ثقيل لا يمكن التخلص منه بسهولة.
في قصة "زيارة القبر"، مثلاً، لا نجد حكاية بالمعنى التقليدي، بل مشهداً متجمّداً مشبعاً بالصمت، يقول فيه الغياب كل ما لا يستطيع الحيُّ التعبير عنه. إنّ القبر هنا ليس مجرّد شاهد على الرحيل، بل ساحة لحوار مؤجَّل بين الذات ونصفها الآخر، حيث تُدفن الرسائل كما تُدفَن الأجساد.
الزمن في قصص العلوي ليس خطِّياً، إنه حلزوني يدور حول مركز الذاكرة، ويتكئ على ومضات من الماضي تعيد الحاضر إلى نقطة البداية. كلّ محاولة نسيان هي استعادة، وكلّ استغناء هو تمرين على التذكّر بطريقة مختلفة. من هنا، يصبح "الاستغناء" في عنوان الكتاب مضاداً للنسيان، تمريناً صعباً على العيش من دون ما نحبّ، لا بكرامة تامة، بل بندوب واضحة.
الكتابة عند مقبول العلوي لا توثّق الزمن فقط، بل تُفاوضه، تجعله أقلّ قسوة، أو على الأقلّ تُقنعنا بأنه قابل للفهم، وربما للمسامحة. وهذا، في حدّ ذاته، مكسب جماليّ وروحيّ نادر.
القصص كأرشيف عكسي
بعكس يوسف مغناطيس الذي أرشف النساء ليمتلكهنّ، يُؤرشف الروائي مقبول العلوي الألم، ليحرِّر نفسه منه. القصص هنا ليست تسجيلاً للسيطرة، بل للخذلان، للتخلّي، ولتمارين روحية على فقد ما نظن أننا لا نستطيع الاستغناء عنه. إنها ملفات سرّية للروح، كُتبت في عتمة الذات، وخرجت للنور لكي تقول: الاستغناء لا يعني النسيان، بل النضوج.
رهافة وتوتّر
يكتب العلوي بلغة متوازنة، تخلو من الزينة المجانية، لكنّها مشبعة بالإيحاء. أسلوبه يجمع بين سَرد بسيط في ظاهره، ومعقّد في باطنه. الجُمل القصيرة والإيقاع المدروس والحوارات المُقتضبة، تخلق اقتصاداً سردياً لا يُغفل الشعرية. هناك أيضاً حضور مكثَّف للضمير الأول، ما يجعل القارئ شريكاً في التجربة النفسية، لا مُشاهداً خارجيّاً فحسب.
المرأة في النصوص
المرأة في هذه القصص، إما موضوعٌ للملاحقة أو محورُ ألم. تظهر ككيان غامض، مُلاحق دائماً، مهدَّد، مرغوب، لكنه في الغالب بعيد. حتى "زينة"، التي نالت تقريراً شبه نظيف، لم تكن شخصية فاعلة، بل كائناً محكوماً بالعين الذكورية التي تُقيّمه وتُفكّكه. لكن العلوي، بذكاء أدبي، لا يسقط في فخّ الذكورية ذاتها، بل يُعرّيها ويفضح آلياتها بتقنيات هجائية ناعمة.
العلوي ومشروعه الإبداعي
"تدريبات شاقّة على الاستغناء" ليس مجرّد مجموعة قصصية، بل كتيّب روحي للناجين من الحب، من السلطة، من النمط. ومقبول العلوي، في هذه المجموعة، يثبت أنه كاتب حقيقي يعرف كيف يجرح بحنان، وكيف يبني نصّاً شفّافاً على شفا حفرة من النار. إنه عمل جدير بالقراءة والتأمل، خصوصاً في عالم صاخب يُغرقنا في ضجيج لا نسمع فيه صوت خساراتنا الصغيرة. في كل قصة، دعوة للتخفّف، للاستغناء، للحكي كنجاة.
رغم التماسك العام للنصوص، إلا أنّ الإطناب يبرز في بعض المواضع، بخاصة في الخواتيم، حيث يطول الوصف أو يتباطأ الإيقاع الزمني. إلى ذلك، تظهر بعض الشخصيات النسائية ضمن أنماط مكررة، إما كعشيقات أو فتيات متَّهَمات بالخفة والعبث، ما يُضيِّق من مساحة التنوّع ويُعرّض النصوص لنقد جندري مشروع.
السرد كأداة شفاء
في قصص العلوي، لا يتعامل السّرد مع الحكاية بوصفها "حدثاً يُروى"، بل باعتبارها جرحاً يُطهَّر بالكلمات. الشخصيات لا تبحث عن حلّ، إنما عن مساحة للبوح، لقول ما لا يُقال في الحياة اليومية. هنا، تكمن قوّة المجموعة القصصيّة في تحويل المأساة إلى خطاب، والخذلان إلى نص، والحيرة إلى تجربة جمالية.
القصص لا تصرخ، بل تهمس. لا تزعق بالحقيقة، بل تتركها تتسرّب مثل الماء من بين الأصابع. وهذا ما يجعل المجموعة صالحة لإعادة القراءة: لأنك لن تجد فيها أجوبة بقدر ما ستجد مرآة. مرآة للروح، ولِما تحاول أن تنساه ولم تستطع.
السرد عند مقبول العلوي تأمُّل داخلي بصوت خارجي، لا يطلب التعاطف، بل المشاركة في طقس الافتراق، وفي التمرّن الصعب على فقدان ما كنا نظنّه أبدياً.
عن الكاتب وُلد مقبول العلوي في مدينة القنفذة بالسعودية في العام 1968. روائي وأكاديمي، بدأ رحلته الأدبية في مطلع هذه الألفيّة، ولفت الانتباه بأسلوبه الذي يجمع بين السَّرد الشفّاف والحمولات النفسية العميقة. له ستّ روايات، من بينها "زرياب" التي نالت "جائزة أفضل رواية" في "معرض الرياض" (2015)، و "البدوي الصغير" الحائزة "جائزة سوق عكاظ" (2016)، وثلاث مجموعات قصصيّة منها "القبطي" التي نالت "جائزة الطيّب صالح" (2016). |
