"يا منموت كلنا وبينتهي الوطن
يا منكون رجال وبيبقى الوطن
منموت، منعيش أحرار... تيبقى الوطن!
سبقونا الابطال وقالوا أرضي ما بتنطال
والوطن بيكبر برجاله الوقفة بدها رجال
كل اللي راحوا ما راحوا
وطني الإيمان سلاحه
مهما الخوف يمد جناحه... رح يبقى الوطن!"

هكذا غنّاها أبو مجد، الفنان ملحم بركات منذ سنوات عدّة. حمل الوطن قضيّة رئيسة في أغانيه وفنّه حتى الرمق الأخير. صدح صوته على المسارح حين ناجى لبنان قائلاً: "يا وطني إنت الكبير وهنّي رح يبقوا زغار... زغار".
يُعتبر بركات موسيقاراً ومطرباً وملحّناً شارك في رسم لوحة الجيل الجميل، كما أنه يُعتبر من آخر عمالقة لبنان الذي أغنوا مكتبته الموسيقية.
عُرِف بركات بـ"تعصّبه" للهجة اللبنانيّة، حتى أنه قطع علاقته مع فنانين يغنون بلهجة أخرى، لكنّه كان إنتقائياً في اختيار الفنانين الذين يستحقّون أداء أعمال فنية تحمل ألحانه. يُعتبر صوت بركات من أجمل أصوات مطربي هذا العصر، كما أنّ في رصيده 13 ألبوماً، وأكثر من 107 ألحان.
ولد بركات في بلدة كفرشيما في 15 آب 1945 لأسرة متوسطة الحال، فكان والده نجاراً يعزف على العود، ما دفع بالفنان الى دندنة بعض أغاني الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب.
برزت موهبته الموسيقيّة حين كان تلميذاً في مدرسة كفرشيما. خصوصاً وأنه لحّن بعض الكلمات من الجريدة وغناها في إحدى المناسبات المدرسية. كما أنّ أوّل لحن ألّفه هو لنشيد المدرسة.
إشتهر منذ صباه كمغنّ في بلدته، وفي إحدى المرّات كان يغنّي بين فصلَي مسرحية "جنفياف"، التي كانت تُعرض في البلدة، فلفت انتباه الموسيقار حليم الرومي الذي أثنى على موهبته وشجّعه.
ترك المدرسة حين كان في السادسة عشرة من عمره والتحق بالمعهد الوطني من دون علم أبيه، فكان يخبّئ كتب المعهد في كيس ورقي يخفيه أمام مدخل منزله، إلى أن اكتشف والده الأمر في نهاية المطاف فعاد وقبل بالأمر الواقع، وذلك بسبب إصرار ابنه على الأمر وموهبته الواعدة.
تعرّف الى ابن بلدته الفنان الراحل عصام رجي ما سمح له بالانضمام الى الأخوين الرحباني، وقام بالغناء في مسرحياتهما الغنائية كـ"بيّاع الخواتم"، "سفر برلك"، "الشخص"، "فخر الدين"، "يعيش يعيش"، وصولًا إلى "الربيع السابع" (مع رونزا)، والتي غنى فيها بركات أغنية "شباك حبيبي" من كلمات وألحان الأخوين الرحباني. وشارك كذلك في مسرحيات عدة إذ قام بتجسيد بطولة "الأميرة زمرد" لروميو لحود، ومثّل مع الشحرورة صباح في "الفنون جنون" و"حلوي كتير" و"ست الكل"، كما كانت له بطولة "ومشيت بطريقي"، وقد اختار الراقصة اللبنانية داني بسترس لمشاركته بطولة المسرحية.
وأحيا بركات حفلات في أهم المهرجانات العربية والعالمية، كما شارك في أفلام سينمائية عدة كفيلم "حبّي الذي لا يموت" (1984) مع الممثلة هلا عون والفنانة داليدا رحمة، إخراج يوسف شرف الدين، حيث قام بغناء أغنيته الشهيرة "يا حبي اللي غاب" من ألحانه ومن كلمات منير عبد النور، وفيلم "المرمورة" (1985) مع الممثلين كريم أبو شقرا وهلا عون، إخراج وئام الصعيدي وتأليف كريم أبو شقرا.
وفي السبعينات قدّم ألحاناً عدة برزت آنذاك، أهمها للشحرورة صباح ضمن مسرحية "حلوي كتير" ومن بينها أغنيات "ليش لهلق سهرانين" و"المجوز الله يزيدو" و"صادفني كحيل العين". وقدّم ألحاناً لوديع الصافي، منها "جينا نسأل خاطركن" و"خلي العمر يرجعنا"، أما ماجدة الرومي فغنّت من ألحانه: "إنت وأنا"، "بتتغير الدقايق"، "عيناك"، و"اعتزلت الغرام"، وتعاون مع أهم الفنانين في لبنان والعالم العربي. وعن سبب عدم تعاونه مع السيدة فيروز كملحن، كشف بركات أنه كان في صدد تلحين أغنية لفيروز في فترة مرض عاصي الرحباني، وحين علم الأخير بذلك استدعاه وطلب منه ألا يستغل مرضه، فوعده بركات بعدم الاقتراب من فيروز أو التلحين لها.
نال بركات جوائز وأوسمة عدة من مهرجانات ومؤسسات وجمعيات، خصوصاً خلال جولاته بسيدني في أستراليا، وجولاته الفنية في أميركا، فضلاً عن وسام الأرز من رتبة كومندور، الذي منحه إياه رئيس الجمهورية ميشال عون، بعد 40 يوماً من وفاته.
"نداء الوطن" رصدت أهم ما قاله الفنانون والمثقّفون في الذكرى الرابعة على غيابه:
نزار فرنسيس
توجّه الشاعر نزار فرنسيس الى بركات بقصيدة قال له فيها:
"أربع سْنين وْبَعد مجدَك ما انطَفا...
صوتك دهب منحوت أصفا مْن الصَفا...
وْبَعدَك مْعَلِّم...
والدّني تْلاميذ فَنّ... وكْتار... سَقْطو... بْإمتحانات... الوَفا".

جوني الصديق
أشار الإعلامي جوني الصديق الى أنه «بتاريخ 28 تشرين الأول من العام 2016 غاب ملحم بركات بالجسد... ودخل في تاريخ الفن الراقي اللبناني والعربي».

فيرا يمّين
توجّهت الإعلامية فيرا يمين الى بركات بالقول: «رحلت كما الطير في تشرين، رحلت كي تترك مساحة للحنين. رحلتَ كي لا تشهد ولا تشاهد كم أنّ وطنك منكـوب وإنسانه حزين».

يمنى شري
كتبت الإعلامية يمنى شري: «4 سنين على رحيل الموسيقار ملحم بركات. أعتبر نفسي محظوظة بما أنني عرفته فنياً ومهنياً وإنسانياً». وأضافت: «بركات ثائر عن ظهر قلب»، متوجّهة الى المسؤولين بالقول: «كل هالعظماء راحوا وإنتو بقيتوا، الله يهدّكن!»
