"إن أضعت هويتي اللبنانية أكتب حينها على ورقة أنني لبناني سابقاً". هكذا عشق أبو مجد، الموسيقار ملحم بركات وطنه حتى أنه لم يرضَ أن يهجره ويسافر الى بلاد أخرى.
قدّم الراحل أعمالاً فنية ستبقى خالدة ومطبوعة في أذهان الأجيال كافة، وحمل لبنان قضيّة رئيسة في أغانيه وفنّه حتى الرمق الأخير.
شارك في رسم لوحة الفن الجميل، كما أنه من آخر عمالقة لبنان الذين أغنوا مكتبته الموسيقية، خصوصاً أنه عُرِف بـ"تعصّبه" للهجة اللبنانيّة، وقطع علاقته مع فنانين يغنون بلهجة أخرى، فكان إنتقائياً في اختيار من يستحق أداء أعمال فنية تحمل ألحانه.
ولد بركات في كفرشيما في 15 آب 1945 لأسرة متوسطة الحال، فكان والده نجاراً يعزف على العود، ما دفعه الى دندنة بعض أغاني الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب. وبرزت موهبته الموسيقيّة حين كان تلميذاً في مدرسة كفرشيما بعد أن لحّن نشيد المدرسة. اشتهر منذ صباه كمغنّ في ضيعته، فلفت انتباه الموسيقار حليم الرومي الذي أثنى على موهبته وشجّعه.

ترك المدرسة حين كان في السادسة عشرة من عمره والتحق بالمعهد الوطني من دون علم أبيه، وكان يخبّئ كتب المعهد في كيس ورقي يخفيه أمام مدخل منزله.
تعرّف الراحل الى ابن بلدته الفنان الراحل عصام رجي ما سمح له بالانضمام الى مسرح الأخوين الرحباني، فشارك في "بيّاع الخواتم"، "سفر برلك"، "الشخص"، "فخر الدين"، "يعيش يعيش"، وصولاً إلى "الربيع السابع" حيث غنى مع رونزا "شباك حبيبي" من كلمات وألحان الأخوين الرحباني. وجسّد أدوار البطولة في مسرحيات عدة منها "الأميرة زمرد" لروميو لحود. كما مثّل مع الشحرورة صباح في "الفنون جنون" و"حلوي كتير" و"ست الكل".
أحيا الموسيقار أهم المهرجانات العربية والعالمية، مشاركاً بأفلام سينمائية عدة كـ"حبّي الذي لا يموت" (1984) مع الممثلة هلا عون والفنانة داليدا رحمة، حيث غنى أغنيته الشهيرة "يا حبي اللي غاب" من ألحانه وكلمات منير عبد النور. وجسّد دور البطولة بفيلم "المرمورة" (1985) مع الممثلين كريم أبو شقرا وهلا عون.
وفي السبعينات، قدّم ألحاناً عدة برزت آنذاك، أهمها للشحرورة صباح ضمن مسرحية "حلوي كتير"، ومن بينها "ليش لهلق سهرانين" و"المجوز الله يزيدو" و"صادفني كحيل العين". كما لحن أعمالاً كثيرة لوديع الصافي، منها "جينا نسأل خاطركن" و"خلي العمر يرجعنا"، أما ماجدة الرومي فغنّت من ألحانه: "إنت وأنا"، "بتتغير الدقايق"، "عيناك"، و"اعتزلت الغرام". وعن سبب عدم تعاونه مع السيدة فيروز، كشف بركات سابقاً أنه كان بصدد تلحين أغنية لها أثناء مرض عاصي الرحباني، وحين علم الأخير بذلك استدعاه وطلب منه ألا يستغل مرضه، فوعده بعدم الاقتراب من فيروز أو التلحين لها.

نال الموسيقار جوائز وأوسمة كثيرة من مهرجانات ومؤسسات وجمعيات، خصوصاً خلال جولاته الفنية في أميركا وسيدني في أستراليا. كما حاز على وسام الأرز من رتبة كومندور، الذي منحه إياه رئيس الجمهورية ميشال عون، بعد 40 يوماً من وفاته.
ما الذي كان ليفعله لو كان على قيد الحياة ورأى لبنان بهذه الحال؟
يجيب وعد بركات، نجل الموسيقار قائلاً: "منيح اللي منو موجود". برأيي لم يكن ليتقبّل رؤية وطنه ينهار وبالتأكيد كان سيحدث خضّة، ولربّما قاد ثورة وطنية بإمتياز".
ذكريات عدة تستحضر وعد لدى الحديث عن والده، خصوصاً الشجاعة منها، ويقول في هذا السياق: "أماكن كثيرة تذكّرني فيه، كالمزرعة، رأس بعلبك، أشجار الزيتون وعجلتون. كان والدي صيّاد طيور وسمك ماهراً جداً وكلّما مارست هذه الهواية أتذكّر المعلم ملحم".
وعن إحدى المواقف الشجاعة التي اتّخذها الموسيقار، يخبر نجله: "كبر كثير بعيني وقتها" ويسرد موضحاً: "عرضت عليه شركة الإنتاج "روتانا" مبلغاً مالياً ضخماً ليوقّع عقداً معها لكنّه رفض الإنضمام الى كنفها. سألته عن السبب فأجابني حينها: "لا يمكن أن أسمح لأحد بأن يجبرني على تنفيذ أعمال فنية في موعد محدد، إذ لن أتمكّن حينها من إنجاز أيّ عمل. أنا عشت حرّاً وسوف أموت حرّاً، وُلدت لأغني وليس لأجني المال".
ويضيف وعد: "سأله مرة ضاحك الليل إيلي ايوب أن يقصدا الإمارات العربية المتحدة لتقديم حفلة خاصة في قصور أحد الأمراء، فأجابه والدي حينها: "قل للأمير أن يحجز طاولة في مطعم "الأطلال" فتكون تكلفتها بسيطة بالنسبة له وأطربه بأغنياتي طوال الليل"، مضيفاً: "هالروحات مش لإلي".
"حبة الزيتون مع خبزة هي طبقه المفضّل"، يقول وعد، مضيفاً أنّ "المصقعة والكشك المطبوخ كانت الأحب الى قلبه". وأردف: "كان يدعوني لتناول الكشك معه رغم أنني لم أستطيب طعمه يوماً فيتحايل عليّ بإضافة البصل والنعنع الأخضر إلى الطبق". ويتابع: "لم يرض والدي أن نتصرّف مع الناس بفوقية أبداً، كان متواضعاً مع الجميع وشرّبنا هذا الموضوع منذ الصغر".

كيف أمضى الموسيقار أيامه الأخيرة؟
"لا أريد استرجاع هذه المرحلة الصعبة"، يجيب وعد. ويتابع: "أحب أن أذكره بأبهى حلله، قبل أن يدخل المستشفى وتتراجع صحته. كان يوصينا دائماً: "إنتبهوا على أنفسكم، تمسّكوا بأخوتكم ولا تسمحوا لأحد بأن يفرّقكم أما أنا فسوف أرعاكم أينما كنت"، يسكت وعد ويتابع بصوت متهدّج: "تصالح والدي مع الموت، لم يخَفه أو يهَبه يوماً... بقي صامداً وجبّاراً حتى نفسه الأخير".
وعن أسباب موته، يسرد نجله أنّ "قلبه لم يسعفه فتوقّف عن الخفقان بعد أن امتلأت رئتاه بالماء فضلاً عن العلاج الكيميائي المتعب لمحاربة سرطان البروستات".
ويكشف أنّ "الموسيقار أخفى مرضه بدايةً عن العائلة، إذ زار الطبيب عام 2013 وأبلغه أنّ هناك "حبّة" قرب البروستات يجب أن تزال بجراحة في أسرع وقت ممكن. لكنّه أهملها ليمتد السرطان وينتشر الى أسفل الظهر عام 2016". ويلفت وعد الى أنّ "والده كان مؤمناً جداً. فشفيعه مار الياس الحي لم يردّ له طلباً، حتى أنه كان يتحدّث معه وكأنهما صديقان مقرّبان".
"ومشيت بطريقي" هي الأغنية التي تذكّر وعد بالموسيقار، معتبراً أنها "من أعظم الأعمال التي قدّمها"، ويضيف: "اشتقت إليه كثيراً، كان رجلاً متواضعاً، عميقاً وقليل الكلام. أراد أن يبقى فنّه حيّاً بعد وفاته وهكذا حصل، فأبو مجد خالد الى الأبد".