في زمن يتخبّط فيه لبنان بأزمات متعدّدة، تحطّ ذخائر تريز الطفل يسوع الوجه الأقدس من جديد في بلد الأرز، حاملةً معها أنفاس الرجاء، ورسالة محبّة تتخطّى حدود الزمن. فمن مطار رفيق الحريري الدولي، انطلقت أمس زيارة روحية هي الثانية، بعد مرور 23 عاماً على زيارتها التاريخية الأولى في أيلول 2002، وتستمرّ حتى 20 تموز المقبل، متنقلة بين الأقضية والمناطق، من كسروان وجبيل إلى كلّ لبنان.
هي زيارة تختصر بقيمتها الروحية ما لا تختصره سنوات. فالمناسبة، مئة عام على تقديس الكرملية الشابة، التي رغم عمرها القصير على هذه الأرض، خطّت بحياتها وكتاباتها نهجاً روحانياً عميقاً لا يزال ينير درب المؤمنين حتّى يومنا هذا.
في حديث خاص لـ "نداء الوطن"، يضيء الأب نوهرا صفير الكرملي على أبعاد هذه الزيارة ومعناها قائلاً: "تريز الطفل يسوع الوجه الأقدس عاشت 24 سنة فقط، لكنها اختبرت خلال هذه السنوات القليلة حبّ الله بعمق كبير، وكانت صورتها، رغم بساطة حياتها وخفائها، مصدر إلهام لآلاف المؤمنين في العالم. من خلال كتاباتها، ولا سيّما "قصة نفس" التي نُشرت بعد عام على وفاتها، جسّدت تريز روح الإنجيل، وتحوّلت إلى مرآة لعلم المحبة الذي سمّاه البابا بيوس الحادي عشر بعلم الحب".
ويضيف الأب صفير: "إنها قديسة كانت تتكلم دوماً عن يسوع، واختبرت حبّه بعمق، ولذلك اختارها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997 ملفانة للكنيسة، بعدما أعلنها البابا بيوس الحادي عشر شفيعة للمرسلين عام 1934".
زيارة ذخائر القديسة تريز تأتي في وقت يعاني فيه اللبنانيون من فقدان الأمل، وتحوّلات حادّة على المستويات كافة. ومع ذلك، تبقى هذه الأرض، كما قال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، "أكثر من وطن، هي رسالة". وفي هذا الإطار، يرى الأب صفير أن "تريز عادت اليوم لتؤكد أن لبنان ما زال يتكلّم لغة اللّه، ويشهد للقداسة رغم كلّ الصراعات. هذه الزيارة تؤكد دعوة لبنان بأن يكون مدرسة للقديسين، وللمحبّة حتى الرمق الأخير".
أما عن تفاصيل الجولة، فهي ستبدأ من قضاءي كسروان وجبيل، لتنتقل تباعاً إلى مختلف الأقضية والقرى، في محطات صلاة وتأمل ولقاء مع المؤمنين. ورغم قصر مدة الزيارة، فإنّ وقعها الروحي، كما يصفه الأب صفير، "يحمل نعماً كبيرة لكلّ من يفتح قلبه لهذه الرسالة".
قد لا تطول إقامة تريز في لبنان هذه المرّة، لكنّها مرّة جديدة تؤكد فيها أن مسيرة القداسة ليست بحجم الوقت بل بعمق الأثر. فمن ديرها في ليزيو إلى جبال لبنان، لا تزال تريز الطفل يسوع الوجه الأقدس تحمل للعالم كلّه بشارة حبّ بسيط، عميق، خفيّ... لكنه لا يُقاوَم.