د. جوسلين البستاني

الرسائل المزدوجة التي أربكت إيران

5 دقائق للقراءة
خلال تظاهرة مناهضة لإسرائيل في طهران أمس (رويترز)

في 13 حزيران 2025، شنّت إسرائيل واحدة من أكثر العمليات العسكرية طموحاً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، مُستهدفة عشرات الأهداف الرئيسية في إيران، بما في ذلك المنشآت النووية ومواقع تخزين الصواريخ الباليستية، ومقار لـ "الحرس الثوري" الإيراني. وقد استقطب حجم الهجمات ودقّتها البالغة اهتماماً عالمياً واسعاً. لكن ما ميّز هذه العملية حقاً هو التمهيد لها عبر حملة تضليل مُحكمة، استغلّت الظهور العلني لخلافٍ بين الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف تقليل خطر التصعيد الفوري من قبل طهران.


بالفعل، وفي العلن، حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إسرائيل مراراً من تنفيذ ضربة عسكرية أحادية الجانب ضدّ إيران، مُشدّداً في تصريحاته على أهمية الدبلوماسية، وضبط النفس، وتجنّب إشعال صراع جديد في منطقة تشهد أصلاً حالة من عدم الاستقرار. وقد صوّرت وسائل الإعلام الدولية هذه التصريحات على أنها مؤشر إلى وجود خلاف جوهري بين واشنطن وتل أبيب. غير أنّه، وبعد ساعات فقط من أحدث تحذيرات ترامب، كانت الطائرات الإسرائيلية تشنّ غارات داخل الأراضي الإيرانية.


ذلك أن هذا الخلاف الظاهري كان أداءً استراتيجياً أكثر منه انقساماً حقيقياً في السياسات، وقد شكّل حملة تضليل مدروسة، أو على نحو أدقّ، غموضاً استراتيجياً صُمِّم خصيصاً لإرباك عملية صنع القرار في طهران ومنع ردّ انتقامي فوري. وتُشير تقارير موثوقة، بما في ذلك ما تسرّب إلى صحيفتي "هآرتس" و"تايمز أوف إسرائيل"، إلى أن الحكومة الأميركية كانت على عِلم مُسبق بالعملية، وقدّمت موافقة ضمنية، أو على الأقل، امتنعت عن اتخاذ أي إجراء لعرقلتها. وتُظهر المعلومات المتوفرة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعاونتا خلف الكواليس لتنسيق الجوانب اللوجستية وتفادي أي تداخل بين أنشطتهما العسكرية، ولا سيّما في ما يخصّ مسارات الطيران، والتوقيت، ومناطق العمليات خلال الضربة، حتى وإن لم تُخطّطا للعملية سوياً.


وعلى الرغم من أن القيادة الإيرانية دانت علناً كلّاً من إسرائيل والولايات المتحدة، واعتبرتهما متواطئتين في تنفيذ الضربة، فإن ردّها العسكري جاء محدوداً مقارنة بحجم الخسائر، التي شملت مقتل قادة بارزين في "الحرس الثوري"، من بينهم اللواء حسين سلامي. فبدلاً من شنّ هجوم صاروخي واسع النطاق، اقتصر الردّ الأولي على إطلاق أكثر من 100 طائرة مسيّرة، وهو استعراض للقوّة لا يرقى إلى مستوى التصعيد الكامل.


ويُظهر هذا الضبط العملياتي للنفس أن طهران التقطت إشارات الغموض في الموقف الأميركي، وفضّلت تجنّب تجاوز خطوط حمراء غير مُعلنة، الأمر الذي شلّ حساباتها العسكرية بشكل فعّال.


تُجسّد هذه الحالة الأهمية المستمرّة للتضليل والخداع الاستراتيجي في سياق الصراعات الجيوسياسية الحديثة. ورغم الفارق في الحجم والتعقيد، تُذكّرنا هذه العملية بعملية Fortitude خلال الحرب العالمية الثانية، التي نجحت في خداع القيادة النازية في شأن موقع إنزال الحلفاء في يوم النصر. فالهدف في الحالتين واحد: توجيه إدراك الخصم والتحكّم في قراراته الحيويّة.


وقد ساهم عدة فرقاء في حملة تضليل إيران، من بينهم السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، الذي أكّد أن إسرائيل لن تُقدم على أي هجوم من دون موافقة الولايات المتحدة. وفي وقت لاحق، التقى مع أعضاء من الحريديم في الائتلاف الحكومي وطلب منهم البقاء ضمنه، لأنه يعلم أن الوقت ليس مناسباً لحلّ الكنيست.


وحين تحدّث ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هاتفياً الإثنين الماضي، قيل لنا إن المحادثة كانت متوترة، حيث أصرّ ترامب على التأكيد لنتنياهو ألا ضوء أخضر لديه لشنّ الهجوم. كما ورد تقرير غريب من مكتب نتنياهو يفيد بعدم إلغاء إجازته التي كان سيمضيها في شمال البلاد.


ثمّ سمعنا أن وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، ورئيس "الموساد" دافيد برنياع، سيلتقيان بالمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، لكن لم يُفصح أحد عن مكان الاجتماع، لأنه لم يكن ليُعقد أصلاً، إذ إنّهما لا يزالان في إسرائيل. كلّ ذلك كان جزءاً من حملة خداع مُنسّقة.


وعليه، تؤكد ضربات 13 حزيران أن السيطرة على السرد والغموض المُتعمّد يمكن أن يكونا عاملين حاسمين في ميدان الصراع، لا يقلّان أهمية عن القدرات العسكرية التقليدية، بل قد يسبقانها في تحديد مسار التصعيد أو الردع في زمن حروب المعلومات. أما على مستوى التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فتُبرز هذه الحادثة القيمة العملية للغموض المتعمّد، إذ تتيح هذه التكتيكات تنسيقاً فعّالاً بين الحلفاء، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية الإنكار المعقول. ومع احتدام المنافسة الجيوسياسية، يُصبح إتقان أدوات حرب المعلومات، وفي مقدّمتها فن الغموض، شرطاً أساسياً لردع الخصوم، وضبط التصعيد، وإدارة النزاعات الحديثة.


من هذا المنظور، تُعدّ عملية 13 حزيران 2025 نموذجاً ناجحاً لاستخدام الغموض الاستراتيجي وفعالية التضليل كأداة من أدوات الدبلوماسية القسرية، وتُظهر ما يمكن أن تُحقّقه الدول عندما تدمج الحقيقة بالحذف والتناقض. فانتقاء الحقائق، والتحكّم المدروس في درجة الغموض، يُمكن أن يُعيدا تشكيل إدراك الخصم ويُربكا قراراته في لحظات مفصلية.


لقد كان التباين الظاهري في الرسائل بين واشنطن وتل أبيب جزءاً من خداع محسوب، أدّى إلى شللٍ عملياتي في طهران في وقت بالغ الحساسية.