ريتا عازار

صيف بلا مزيل للرائحة؟

المطلوب جهاز صغير يُثبّت تحت الإبط!

6 دقائق للقراءة

مع انطلاق فصل الصيف، تبدأ الأرض بالدَّوَران بشكلٍ أبطأ، ليس علميّاً، بل نفسيّاً. تتقلّص المسافات، تتبخّر الأعصاب، ويتحوّل السلام الاجتماعيّ إلى هدنة مشروطة، وكلّ ذلك بسبب العدوّ الأوَّل لأنوف الناس: العَرَق غير المسيطَر عليه!. هنا تظهر "بطولة" مزيل رائحة العَرَق، لا كمنتَج فقط، بل ككائن نبيل، وكَبَطل تراجيدي لا يُكرَّم في حفلات التخرّج ولا في احتفالات توزيع الجوائز على تشكيلاتها وأنواعها، على الرّغم من أنه "حامي حمى" الأنوف الحسّاسة والغليظة الشمّ في الوقت عينه. لكن كيف بدأ كلّ شيء؟



نعود من جديد إلى العصر الحجريّ، على أيام "المتحجِّرين" لم يكن هناك مزيل للرائحة. كانت هناك حرب من أجل البقاء، وكانت رائحة الإنسان تُعتبر "دليل حياة". إذا شَمَّكَ النّمر ولم يأكلك، فأنت مميّز. أما الآن، فإنّ مجرّد وقوفك بجانب شخص في المصعد برائحة "ما بعد الجيم" من دون "دوش"، فأنت مجرم "أبو ريحه".

تخيّل لو أنّ زعماء العالم لم يستخدموا مزيل العرق في قِممهم المصيريّة؟ لربّما انفجرت حرب نووية بسبب ابتسامة دبلوماسيّة مزيّفة تمّ كسرُها بـ "نَفَس ثوم مركّز".



أنواع مزيلات العرق


في الأسواق، يأتي بعض مزيلات الرائحة بنكهات تشبه عناوين أفلام غامضة: "بركان القطن"، "نسيم الجبال المغسولة بدموع اللاما"، "صباح الرجال الحديديّين"، وكلّها وعود في الهواء، تماماً كرائحة تحت الإبط، لأنّ الحقيقة البسيطة هي: إما أنك تستخدم مزيلاً للرائحة، أو أنك عدوّ للمجتمع.


على كلّ حال، تعال معنا لنتعرف على أهمّ سلالات مستخدمي مزيل الرائحة، ومن ثمّ، أخبرنا - إن شئت طبعاً - من أيّ سلالة أنت؟


- الطبيعيّ حتى العظم، الذي لا يؤمن بمزيل الرائحة بل يعتبر العرق جزءاً من هويّته البيولوجية والثقافية. يُلقّب محلّياً بـ "سادد الأنوف".


- المستخدم الموسمي. يتذكّر مزيل الرائحة فقط في المناسبات: حفلات زفاف، مقابلات عمل، وأحياناً عند زيارة خالته الرّاقية. بقية السنة؟ هو من أشدّ مشجّعي الروائح الطبيعية.


- المثالي النادر. هذا الشخص، غالباً ما يكون مستوحداً اجتماعياً لأنّ البقية لا يشعرون بالراحة بجانبه، بسبب شعورهم بالذنب من روعة رائحته كلّه على بعضه.



مزيل الرائحة أم الحبّ؟

قد يذوب الحبّ مع الزمن، لكنّ رائحة الإنسان تبقى في حضوره وحتى عندما يغيب، وفي عصر السرعة، لا وقت لـ "تفهّم ظروفه الهرمونية".


المطلوب هو حلّ سريع، فعّال، وعطريّ. كثيرون انفصلوا وراح حبّهم "فطيس" على الرغم من التفاهم العميق، فقط لأنّ أحدهم قال: "باردون، بس في ريحة بتفطِّس".



الصيف والكارثة قاب قوسين

مع ارتفاع درجات الحرارة، يتحوّل بعض المواطنين إلى أسلحة بيولوجية متحرّكة، المواصلات العامة تصبح معسكرات غازات، والموظفون يدخلون في دوّامة الدفاع عن النفس عبر فتح النوافذ أو رشّ العطر على زملائهم خلسة. وقد تتزايد حالات ما يُعرف بـ "الاختناق العاطفي في العلاقة"، وهو مصطلح جديد يُطلَق على الأزواج والعشّاق، الذين لا يستطيعون الجلوس معاً بسبب قنبلة عَرَق مؤجّلة من الليلة الماضية.



مزيل الرائحة الذكيّ

مع تطوُّر الذكاء الاصطناعيّ، الجميع في انتظار إطلاق جهاز صغير يُثبَّت تحت الإبط، يرسل تنبيهات فورية عبر "البلوتوث" إلى "الموبايل" إذا تجاوزت الرائحة مستوى الطوارئ. أما التّنبيه المحتمَل فهو: "تمّ رصد حالة طوارئ بيئية، الرجاء الرشّ فوراً أو الاختباء في أقرب دَوْرة مياه".


وستُربط أجهزة مزيلات الرائحة بساعات ذكية، تقيس مستويات التوتّر والرياضة والتعرّق، وتمنحك تقييماً أسبوعياً لتعرف إن كنت مواطناً قابلاً للاحتكاك البشري أم لا.



من الحياة الواقعية

في حفل زفاف، طُرد أحد المدعوّين بهدوء، لأنه رقص كثيراً ونسي أن يستعين بين رقصة وأخرى بقاتل رائحة العرق!. وفي إحدى الصيدليّات، انهار شاب أمام قسم مزيلات الرائحة، وهو يقول: "جرّبت كلّ الأنواع، بس المشكلة مني… مني أنا!".



الاستحمام أوّلاً رجاءً

دعونا نتوقف لحظةً، ونخاطب فئةً خاصةً جداً من المواطنين، ممّن يعتقدون أنّ مزيل الرائحة هو بديل للاستحمام. هؤلاء العباقرة الذين يخرجون من يوم طويل من العمل، مبلّلين من العرق، ويظنّون أنّ الحلّ هو ثلاث رشّات من "سبراي" فوّاح فوق طبقة من الكائنات المجهريّة المتجذّرة منذ العام 2011.


أيّها الأعزّاء، هذه ليست مكافحة للرائحة، بل مزجاً فنيّاً بين العفن والفانيليا. الرشّ فوق جسد لم يستحمّ، يشبه محاولة تعطير كيس قمامة بروائح الورد. النتيجة؟ شيء لا يمكن تصنيفه: لا هو عطر، ولا هو عرق، بل رائحة تشبه مزاج مديرك يوم الاثنين.



جَوْرب لاعب

من الطرائف المؤلمة، أنّ بعضهم يقف بفخر أمام الآخرين ويقول: "أنا ما بغسِّل جسمي، "الديودوران" بِكفّي!".


الرشّ على جسد متّسخ لا يزيل الرائحة، بل يخنقها موقَّتاً حتى تبدأ بالتمرّد، فتخرج بأسلوب أعنف، رائحة متمرّدة، حاقدة، ناقمة على المجتمع وعلى كلّ من عطّرها من دون أن يغسلها. لذا، إن كنت تحبّ نفسك، أو تحبّ الناس، أو على الأقلّ تحبّ أن يُسمح لك بدخول الأماكن العامة، فاستحمّ ثمّ "رشّ"، لا العكس. فالرّشّ فوق العرق، كمن يضع عطر "ديور" على جَوْرب لاعب كرة قدم بعد مباراة نهائية.



سلاح دمار شامل

فلنكن صادقين للحظة! ليس كلّ من لا يستخدم مزيل الرائحة إنساناً سيّئاً، لكنّه بكلّ تأكيد إنسان خطير. نعم، خطير على الأمن المجتمعي، خطير على مزاج الناس، وخطير حتى على الاقتصاد الوطني، لأنّ موظفاً محاصراً برائحة "من نوع ثقيل" لن ينجز تقاريره ولن يبتسم للعملاء. كلّ ما سيفكّر فيه هو كيفيّة الهرب!


الرائحة القوية ليست مجرّد إزعاج، بل هي شكل من أشكال العنف غير المرئي، قد لا تراه، لكنّك تشعر به في روحك، يلفّك، يضغط على صدرك، ويجعلك تتمنّى أن تتحوّل إلى بخار وتتبخّر.


وهناك فئة خاصة جداً، نادرة وخطيرة، تُعرف بـ "المتحمّل الصامت". هو الشخص الذي يشمّ ولا يتكلّم، يعاني في داخله، يختنق بأدب، يبتسم على الرّغم من الانهيار الحسّي، فقط لأنه لا يريد إحراج أحد. هؤلاء الأبطال هم أولى ضحايا الرائحة، ويجب حمايتهم بتشريعات دولية.



بلا مبالغة

تخيّل أن تجلس في امتحان مصيري أو في مقابلة توظيف مصيرية، وإلى جوارك شخص قرّر معانقة الصّيف من دون استحمام أو مزيل للرائحة، ألا يستحق الأمر قانوناً طارئاً؟ في البال اقتراحات بفرض ضريبة "رائحة كربون"، على كلّ من يتجوّل في الأماكن العامة من دون استخدام وسيلة تعقيم إنسانية. وفي بعض الدول المتخيَّلة، يمكن حجز بطاقة النقل أو دخول "المول" بعد اختبار شمّ سريع عند البوابة. نحن لا نطلب الكثير، فقط استحمّ، ثم "رشّ"، اجعل مزيل الرائحة روتيناً لا مناسبة، فنحن نستحق أن نتنفّس دون خوف. أخيراً أيّها السادة والسيدات، إنّ استخدام مزيل للرائحة ليس ترفاً برجوازياً. إنه الحدّ الأدنى من الأدب الحضاريّ.


الإنسان بدأ بالكهوف، والفرق بيننا وبين أهل الكهف ليس اللغة أو الإنترنت بل مزيل رائحة العرق. مع حلول الصيف، كونوا أبطالاً حقيقيين، رشّوا… من أجل السلام... "بليز"!.