45 عامًا مرّت مذ غنّى اللبنانيون مع ميشكا «لمّا بمشي عالرصيف»، وشاهدوها على الشاشة الكبيرة «تمشي» في سوق الزلقا التجاري و«يلحقوها كلّن كلّن كلّن». كان ذلك في فيلم «آخر الصّيف» للأخوين مروان وغدي الرحباني. منذ أيام، عاد اسم ميشكا للتداول وإن بخفر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد رواج خبر وفاة ميشيل ملّاط (اسمها الحقيقي). اسم وأغنية قد لا يعنيان شيئًا لجيل كامل أو أكثر، لكنّهما اسم وأغنية يعيدان الكثير من الحنين إلى جيل الثمانينات. إنما وراء الأغنية ومؤدّيتها، قصص عن ميشكا الفنانة وميشيل الإنسانة، تكشّفت لـ «نداء الوطن» من خلال المؤلف والملحّن غدي الرحباني، مكتشفها الفنّي مع شقيقه المخرج مروان، ونسيبتها وصديقتها الدكتورة ماري غنطوس.
«كنّا جيران الصيفيّات الحلوة التي كنّا نمضيها في «حيّ الدلب» ببلدة بكفيّا المتنيّة، وكانت ميشيل الصبيّة الحلوة واحدة من «شلّتنا»، شقيقي مروان، وزياد ابن عمّي عاصي، وبشارة الخوري ابن عمّتي، ووليد عقل عازف البيانو الشهير (الراحل)، وشقيقته الرّسامة ندى عقل المقيمة حاليًا في فرنسا، وأنا»، يقول غدي الرحباني. ويتابع مخبرًا «نداء الوطن»: «كنّا نلتقي دائمًا ونتشارك الأنشطة والأوقات الحلوة، وكانت ميشيل قد شاركت في تصوير بعض الإعلانات التي كان يخرجها مروان. ولمّا بدأ مروان، عام 1980، العمل على فيلمه السينمائي الأول، «آخر الصيف»، الذي تشاركنا في إعداده وكتابة وتلحين أغنياته، قال لي ذات يوم: «تعا نشوف ميشيل إذا بتشارك معنا بالفيلم وبتغنّي». عندما عرضنا عليها الأمر، أخذت تضحك ولم تأخذ الموضوع على محمل الجد بدايةً، خصوصاً أنها لم تكن تجيد الغناء. فقلنا لها نجرّب ونقرّر، أنا ومروان ندرّبك على الغناء».
قصّة أغنية
وهكذا كان. أجرى مروان وغدي الرحباني اختبارات الصوت والصورة اللازمة لميشيل، فوجداها مناسِبةً للتمثيل والغناء حيث أدّت في «آخر الصيف» إحدى أشهر أغنياته «لمّا بمشي عالرصيف» (لمروان وغدي الرحباني). يتذكّر غدي الرحباني تسجيلهم موسيقى الأغنية في «ستوديو الياس الرحباني» الذي كان استحدثه في منزله. يومها تولّى غسان الرحباني العزف على آلة «الدرامز» وتسجيل اللّحن، ثم تمّ تسجيل غناء الكورال وميشكا في «ستوديو بعلبك» الشهير. أما تصوير الأغنية ضمن أحداث الفيلم، فجرى في سوق الزلقا التجاري، وكان من بين الشبّان الذين «يلحقون» بميشكا، كلٌّ من غسّان وأسامة الرحباني. علمًا أنّ بعض مشاهد الفيلم صُوّر في المنزل العائلي اللبناني لميشكا في بكفيّا.
لكن كيف صارت ميشيل، ميشكا؟
يجيب غدي الرحباني أنّ «فترة التحضير لفيلم «آخر الصيف» صادفت وإقامة دورة «الألعاب الأولمبية» عام 1980 في روسيا، وكان شعار تلك الدَّورة دبٌّ أطلق عليه اسم «ميشا»، فأضفنا حرف الكاف إلى الإسم وصارت ميشيل، ميشكا». بعد «لمّا بمشي عالرصيف» لم تغنِّ ميشكا سواها، ولئن استمرّت في التعاون مع مروان الرحباني وسواه من الشركات بتصوير أفلام إعلانيّة لمنتجات مختلفة، ربما كان أشهرها إعلان البطّاريّات الذي لا تُنسى أغنيته «شو بطّاريتك؟» من أعمال الراحل الياس الرحباني. بعد التعاون السينمائي الذي جمع ميشكا بمروان وغدي الرحباني، «لم نلتقِ كثيرًا، وانقطع التواصل بيننا تقريبًا نتيجة ظروف الحرب في لبنان وسفرنا إلى دبي للعمل وهي إلى الولايات المتحدة الأميركية»، يقول غدي الرحباني، الذي يضيف: «منذ حوالى سنتَين جرى تواصل بيننا، وعلمتُ أنها نشرت ديوان شعر وأنها مرّت بظروف صعبة في حياتها. ومنذ أيام فوجئت بخبر رحيلها، لكنّها ستبقى في ذاكرتي ميشيل الجميلة، صديقة الطفولة والشباب الأول، ذات الضحكة الجميلة الجذّابة».
الباحثة عن الحب
الظروف الصعبة في حياة ميشكا والتي أشار إليها غدي الرحباني في حديثه، كشفت تفاصيلها لنا نسيبتها وصديقتها الدكتورة ماري غنطوس. جدّ ميشكا وجدّة غنطوس شقيقان، وميشيل يوسف ملّاط ابنة المحيدثة في بكفيّا، هي من سلالة العلّامة والشاعر الشيخ إبراهيم المنذر، جدّ والدتها.
تقول غنطوس لـ «نداء الوطن»: «كانت ميشكا امرأةً حرّة الى أقصى حدّ، لكنّها لم تكن تعرف كيف تعيش وحدها. فقد كانت دائمًا محتاجةً لحضور آخرين إلى جانبها». وتستفيض غنطوس قائلةً: «عاشت ميشيل حياتها تبحث عن حبّ الرّجل بشكل جنوني، ربّما لأنها لم تعش في كنف والدها الذي ترك أسرته المكوّنة من زوجة وابنَين وميشيل، فتولّى جدّها لوالدتها المسؤولية. يمكنني القول إنّ نسيبتي وصديقتي ميشيل عاشت الألم والعذاب رغم إقبالها الكبير على الحياة. فقد تزوّجت وسافرت للإقامة في السعودية، لكنّها ما لبثت أن عادت إلى لبنان بعد طلاقها إثر معاملة سيّئة عانت منها».
وجدت الحب
لاحقاً هاجرت ميشكا إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عملت كاتبة بالعدل وعلّمت اللغتَين العربية والفرنسية، كما كشفت الدكتورة ماري غنطوس، التي تابعت: «هناك تعرفت على دِنيس الذي وجدت معه الحبّ الذي عاشت حياتها تبحث عنه. استمرا معاً حوالى 25 سنة حتى وفاته. ثم عادت إلى لبنان لتتوالى مآسي حياتها. توفي شقيقها في منزلها إثر عارض صحي مفاجئ أصابه، وخلال «جائحة كورونا» توفّي شقيقها الثاني، وواصلت هي رعاية والدتها العجوز التي لا تزال في حالة صحّية صعبة». وعن سبب وفاة ميشكا، تقول غنطوس: «أظنّ أنّ وفاتها المفاجئة سببها أنّ قلبها لم يعد يحتمل كلّ المآسي التي عاشتها، هي التي عاشت حياتها بحثاً عن الحبّ ومن أجل الحبّ. وقد عبّرت عن كلّ ذلك بوضوح في ديوانها الشعري «غبار السنين» الذي برأيي «بيطيّر العقل»، تقول غنطوس التي تتابع: «هي فنانة بالشِّعر الذي كتبته، وبنظرتها إلى الحياة التي جرّحتها. وأعتقد أنّ جروح الحياة وظروفها لم تترك لها القدرة والوقت على احتراف الفن والاستمرار فيه. خلال لقاءاتنا وأحاديثنا الأخيرة، كنت أشعر بالألم الذي تعاني منه ميشكا من نبرة صوتها... كان كلامها «صريخاً» وكأنه تعبير عن ألمها الكبير الذي قضى عليها عن حوالى 70 سنة من العمر». ولعلّ أفضل اختصار لحياة ميشكا عبارة نسيبتها ماري غنطوس: «عاشت الحياة بشغف، وكانت تقول وتعيش بالصوت العالي ما كنّا نحن بقيّة النساء نقوله أو نقوم به «ع صوت واطي»».

